والجاهلية الجديدة أثمرت حضارة مادية هائلة سخرتها لخدمة الشيطان ، وإقرار الظلم وإزهاق الحق ، وامتصاص دماء الشعوب المغلوبة على أمرها ، وأزهقت أرواح الملايين من البشر لا لشيء إلا لكي تكون العزة لأمة على بقية الأمم ، أو لشعب على بقية الشعوب . نحن لا نوافق الأمم التي تدعي أنها الأفضل والأحسن لأنها تملك العمارات الشاهقة ، والحدائق الغناء ، والمسارح الرحبة ، والقصور الفخمة ، والشوارع المنسقة ، والمدارس والجامعات والمستشفيات.. لا نوافقها على أنها الأفضل من أجل ذلك وحده ، ولا لأنها توصلت إلى علوم هائلة بنت بها الرقي المادي ، ولو كان هذا صحيحا فان اللص صاحب القصر الكبير أفضل من الشريف صاحب الكوخ الصغير ، والعالم الذي يخطط لتدمير البشرية أفضل من الإنسان العادي الذي يسعى في إصلاح العباد.
لقد أقامت كثير من الأمم حضارات راقية في المجال المادي ، ولكنها أقامتها على أسس ظالمة ، فأتي الله بنيانهم من القواعد ، ودمر ما كانوا يعرشون { فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } . (سورة الحج: الآية( 45 ) ) { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ } . (سورة الحج: الآية( 48 ) ) { وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } ( سورةالأنبياء: الآية( 11-14 ) )
ارتقاء أمة الإسلام إلى المكانة الفضلى
حقق المسلمون -بفضل الله ورحمته- في عالم البشر الرقي العظيم الذي أصبحوا به خير أمة أخرجت للناس.
ويمكننا أن نلخص العوامل التي أوصلتهم إلى هذا الرقي في عبارة واحدة: ( لقد حققوا الهدف الذي خلقهم الله من أجله إلا وهو العبودية لله العظيم ) { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } . ( الذريات:( 56 ) ) .