فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 366

إن المجتمع الذي يستحق أن يوصف بالرقي -في ميزان الله- هو المجتمع الذي يقيم حياته وفق منهج الله وتشريعه ، وإن كان غير متقدم في مجال العمران والزراعة والصناعة.

أما الجاهلية فإنها تعتبر المجتمع راقيا إذا كان يملك العلوم المادية ، والمجتمع المتأخر في عرفها هو المجتمع الفقير الذي لا يملك أسباب الرقي المادي وتنتشر فيه الأمية.

ونحن عندما ندرس المجتمع الإسلامي المثالي تراه كان مجتمعا فقيرا ، لا يكاد الفرد يجد فيه ما يسدُّ رمقه ، ولا ما يوراي جسده ، وكانت بيوت الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) يمر عليها الهلال والهلال ، ثلاثة أهلة في شهرين -كما تقول أم المؤمنين عائشة - ولا يوقد نار لإنضاج طعام ، والذين كانوا يحسنون القراءة والكتابة في ذلك المجتمع قليل ، والصناعات والعلوم التي ترقى بالحياة في جانبها المادي كانت فيهم قليلة نادرة.

إن نظرة الجاهلية إلى المجتمع الصالح المتحضر تصادم نظرة الإسلام ، إن الإسلام يَصِمُ أكثر التجمعات الإنسانية تقدما بالتأخر والرجعية والضلال إن لم تحقق العبودية لله ، ولم تقم حياتها وتشريعاتها وفق منهج الله . إن هذا الرقي المادي والعلم المادي لم يخلِّص فرعون ونمرود وعادا وثمود وغيرهم من الأمم من مقت الله وغضبه ، ليس معني هذا أن الإسلام يحارب الرقي المادي ، فالإسلام يأمرنا أن نسعى في الأرض لنسخر ما فيها من خيرات لصالحنا ، { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } . ( الملك: الآية( 15 ) ) .

ولكنه يريد منا أن نبني هذا الرقي على أصول سليمة قويمة ، يريدنا أن نقوم علوم الحياة ونضبطها بضوابط إلهية تحميها من الانحراف والضلال ، فلا نقيم الصروح الضخمة التي تستنفذ طاقات الألوف وعشرات الألوف من البشر لغاية تافهة ، كما فعل بناة الأهرام الذين أفنوا أعمار أجيال ليقيم الحاكم منهم هرما يكون له قبرا ، أو كما فعل النصارى عندما أقاموا الكنائس الفخمة والأديرة ، وبذلوا في سبيل ذلك جهودا وأموالا هائلة كان أكثر الأمة بحاجة إلى القليل منها. وقد أنكر هود على قومه مثل هذه الأفعال الحمقاء { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } . (الشعراء: الآية( 128 ) ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت