وبدلوا فلعنهم الله ، وغضب عليهم ، وضرب عليهم الذلة والمسكنة ، وهو لا يمثلون اليوم الفئة الفاضلة في ميزان الحق ، وقد جاءت هذه الأمة من بعدهم لتكون الأمة الفاضلة.
وإذا أنت رجعت إلى سورة البقرة ، وإلى ما حدثنا الحق فيها عن أهل الكتاب ، تري أن القرآن كشف لنا عن الدعوى المضللة التي يدعيها أهل الكتاب من أنهم الأفضل والأصلح ، وبيَّن أنها دعوى زائفة ، ذلك أن أهل الكتاب انحرفوا عن الخصائص التي كانت ترفعهم إلى مصافِّ الأمة الفاضلة وسرت فيهم العلل والأدواء التي شوهت العقيدة الصافية ، والشريعة المنزلة ، واختلت عندهم القيم والتصورات الإيمانية ، كما اختل السلوك والقول والعمل ، فمن اتهامات للخالق العظيم ، إلى تشويه لسير الأنبياء ، إلى تحريف للكتب المنزلة ، إلى كتمان للعلم ، وسفك للدماء ، وتمرد على أحكام الشرع ، واتباع الشياطين.
وبعد هذا البيان الطويل لحال الأمم التي تدعي الأفضلية في سورة البقرة يأتي قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } . (البقرة: الآية( 143 ) ) . ليقرر مكانة هذه الأمة ، وأنها الأمة الفاضلة كي تعرف مكانتها ، ولا تهون في مواجهة أهل الكتاب ، ولقد سمي أهل الكتاب الذين يحاولون انتقاص هذه الأمة ، وإلقاء الشكوك حول تشريعها بالسفهاء { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } . (البقرة: الآية( 142 ) )
إنهم سفهاء فقدوا المقاييس القويمة ، واختلت عندهم الضوابط ، ولذلك صدرت عنهم أحكام خاطئة ، وتصرفات باطلة .
أما الأمم الأخرى التي تنازع هذه الأمة الفضل ، ففضلها دنيوي عارض ، ليس له في ميزان الله اعتبار ؛ لأنه قائم على متاع الدنيا العارض { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } . (آل عمران: الآية( 185 ) ) ، { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } . ( الأنعام: الآية( 32 ) ) ، { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } . ( الروم: الآية( 7 ) )
ولقد وصف القرآن الحضارات التي ارتقت في العلوم المادية ، ولكنها انحدرت في عقيدتها وأخلاقها وقيمها بالضلال والزيغ.