فلهم اسم وحقيقة لهذا الإسم قبل البينة وهو الشرك ولهم اسم وحكم بعد البينة وهو الكفر والعذاب. قوله تعالى {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (65) سورة الزمر فحكم الله تعالى حكم جازما لازما بحبوط عمل من أشرك بالله الشرك الأكبر وإن كان خليل الله محمد صلى الله عليه وسلم والاسم يؤخذ من الفعل فكما أن من أشرك حبط عمله فكذلك من أشرك وحبط علمه هو مشرك لإنتفاء حقيقة التوحيد من قلبه إما استكبارا أو جعل لله أندادا في العبادة لذا من بدع هذا العصر الشرعية واللغوية والعقلية التفريق بين الفعل والفاعل. فالأصل لغة وشرعا بل وعقلا أن من فعل فعلا سمى بهذا الفعل فمن اكل سمي آكلا ومن شرب سمي شاربا سواء قيل بان الاسم مشتق من المصدر أو من الفعل فكل النحويين متفقون على ذلك وإن اختلفوا في أصل الإشتقاق لأن المصدر والفعل كلاهما يتضمن الحدث الذي هو الفعل فشارب مثلا يتضمن حدث الشرب وهذا الحدث موجود في في الفعل والمصدر وفارق الفعل المصدر بأن الحدث قارنه زمن. و هذا من تدبره علم علم اليقين بأنه مقتضى جميع اللغات. و كذلك شرعا كل من فعل فعلا سمي بهذا الفعل فمن أشرك مع الله غيره سمي مشركا ومن ابتدع في الدين سمي مبتدعا ومن شرب الخمر سمي شاربا للخمر. و الشرع أحكامه جاريه على لغة العرب وأساليبها ولو قلنا غير هذا للزمنا أن تكذيب قوله تعالى (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (النحل: 103 (.
و قوله (قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الزمر: 28 (و قوله(بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء: 195 (.
نعم قد يزيد الشارع بعض القيود والشروط وبعض المعاني ولكن أبدا لا يخرج عن أساليب العرب ولغتهم. وحتى الكفر لغة كما قال ابن منظور (الكُفْرُ جُحود النعمة , وهوضِدُّ الشكر. وقوله تعالى: إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ أَي جاحدون. وكَفَرَ نَعْمَةَ الله يَكْفُرها كُفُورًا وكُفْرانًا وكَفَر بها: جَحَدَها وسَتَرها. وكافَرَه حَقَّه: جَحَدَه. ورجل مُكَفَّر مجحود النعمة مع إِحسانه. ورجل كافر جاحد لأَنْعُمِ الله , مشتق من السَّتْر، وقيل: لأَنه مُغَطًّى على قلبه) .و الجحد لا يكون إلا لمن علم الحق او تمكن منه ورده. فصفة الكفر لغة وشرعا تقتضي معرفة المكفور به وأو التمكن منها ثم ردها وجحدها وهذا جاري كذلك على الأصل الذي ذكرناه بأن من وقع منه الفعل سمي بهذا الفعل فمن وقع منه الكفر سمي كافرا وصفة الكفر كما ذكرنا تقتضي الرد والجحد مع العلم أو التمكن من العلم حيث نزل منزلة العلم.
قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله (ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة فتكذيب الرسول كفر وبغضه وسبه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ( ....
و قال رحمه الله (فَإِنَّ حَالَ الْكَافِرِ: لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَصَوَّرَ الرِّسَالَةَ أَوْ لَا؛ فَإِنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهَا فَهُوَ فِي غَفْلَةٍ عَنْهَا وَعَدَمِ إيمَانٍ بِهَا. كَمَا قَالَ: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} وَقَالَ: