والتحقيق في هذا أن العلة تارة يراد بها موجب الفعل وموجده، وتارة غايته والحكمة الباعثة على فعله؛ فإن أريد بالعلة هاهنا الأولى، فالله - عز وجل - هو علة أفعاله لا علة لها سواه، وإن أريد بها الثانية؛ فلا بد منها تحرزا عن لزوم العبث، إذ من لا غاية لفعله يقصدها به إما عابث أو فاعل بالطبع، وكلاهما على الله - عز وجل - محال، ولا يلزم استكماله
بغيره، وإنما يلزم ذلك أن لو كانت مصالح أفعاله ونفعها عائدا إليه، وليس كذلك إنما هي عائدة إلى خلقه، فالكمال المستفاد بتلك العلل الغائية لهم لا له سبحانه وتعالى.
فإن قيل: أي نفع لخلقه في تجديد جلود أهل النار ليذوقوا العذاب؟
قلنا: زجر السامعين بذلك ليرتدعوا من مثل أفعال أولئك المعذبين.
{* إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (58) [النساء: 58] عام، ربما خص بما إذا تعلق برد الأمانة مفسدة راجحة مثل مال المحجور عليه بيد الولي إذا خاف من رده إليه تضييعه، وسلاح أهل الحرب والبغاة ونحوهم، إذا كان أمانة وعلم أو ظن أنه إن رد إليهم استعانوا به على الفساد فيجب تعويقه/ [50/أ/م] حتى تؤمن غائلته وأشباه ذلك.
{وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] عام مطرد.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (59) [النساء: 59] عام مخصوص، بما إذا دعوا إلى بدعة أو معصية لا تجوز طاعتهم، لقوله صلّى الله عليه وسلّم:
«إنما الطاعة في المعروف لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .
وقد امتنع كثير من أئمة السلف من إجابة الخلفاء إلى المناكر والمفاسد والبدع، وهم في ذلك قدوة، والآية المذكورة لهم حجة.