{فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] يحتج به الظاهرية على إنكار القياس، لأن الحكم إما مجمع عليه، فلا حاجة إلى القياس فيه، أو مختلف فيه، فيجب رده إلى الله والرسول والمراد كتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم واستفادته منهما وهذا موضع بيان، فلو كان القياس مدركا للحكم لوجب ذكره هاهنا، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وأنه باطل، وأجاب القياسيون/ [106/ل] بأن القياس مستفاد من الكتاب والسّنّة، فرد الحكم إليهما يتضمن اعتبار القياس لأنا نقول: القياس يقتضي أن الحكم المتنازع فيه كذا وكذا.
والكتاب والسّنّة دلا على أن القياس دليل معتبر.
[النساء: 64] هذه اللام تفيد تعليلا تكليفيا لا تكوينيا قدريا، ومعناه: إنا أرسلنا الرسل لقصد تكليف الناس طاعتهم، وليس المراد أنا أرسلناهم وقدرنا طاعة الخلق لهم، إذ لو قدرت طاعتهم من جميع الخلق لكانت، لكن الواقع بخلافه بدليل معصية الأكثر لهم، وهذا هو القول في نحو: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} (56) [الذاريات: 56] وأشباهه، وأما قوله - عز وجل {بِإِذْنِ اللهِ} فأفاد أن طاعة المطيع مشروطة بإذن الله - عز وجل - فيها وتقديره لها، بحيث إنها بدون ذلك لا توجد، وهذا متردد بين المعتزلة والجمهور؛ لأن المعتزلة يقولون: أشار بإذن الله إلى الإمداد بالألطاف، والأفعال مخلوقة للمكلفين. والجمهور يقولون: أشار به إلى أنه يخلق أفعالهم على وفق إرادتهم وأكسابهم، أما باقي الآية وهو: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً} (64) [النساء: 64] فيقوي به المعتزلة دعواهم [إذ هم] لا يكونون ظالمين بما هو فعل لله - عز وجل - ولا مستغفرين منه، ولو كان كذلك لكان الله - عز وجل - غافرا لفعل نفسه.
والجواب على رأي الكسبية والمجبرة معروف، وقد تكرر في عدة مواضع، وقد سبقت قاعدته.