ثم فيه دلالة جواز الطاعة لغير اللَّه؛ لأن كل من عمل بأمر آخر فقد أطاعه، هو الائتمار للآمر.
وأما العبادة فهي إخلاص الشيء بكليته لله - عَزَّ وَجَلَّ - حقيقة؛ إذ الأشياء كلها لله بكليتها حقيقة، ليست لأحد سواه؛ لذلك لم يجز أن يعبد غير اللَّه - تعالى - وقد يجوز أن يطاع غيره؛ لما ذكرنا أن الطاعة هي الائتمار بالأمر، وليس العبادة؛ لذلك افترقا.
ثم طاعة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تكون طاعة لله؛ لأنه بأمره يطاع، وفي طاعتهم له طاعته.
ثم قيل: قوله - تعالى -: (أَطِيعُوا اللَّهَ) في فرائضه، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في سنته.
وقيل: (أَطِيعُوا اللَّهَ) فيما أمركم ونهاكم في كتابه، (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما أمركم ونهاكم في سنته.
ثم اختلف في أولي الأمر:
قيل هم الأمراء على السرايا.
وقيل: هم العلماء والفقهاء.
وقيل: هم أهل الخير.
ويحتمل: أولي الأمر: الذين يُوَلَّوْنَ السرايا.
فكيفما ما كان ومن كان، ففيه الدلالة ألا يولى إلا من له العلم والبصر في ذلك، أمراء السرايا كانوا أو غيرهم؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر بطاعتهم، ولا يؤمر بطاعة أحد إلا بعلم وبصر يكون له في ذلك.
فإن قال قائل: كيف قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)
وقد هلك به أكثر البشر؟
قيل: قد يخرج على وجوه - واللَّه أعلم -:
أحدها: أنه يضعف كيده على من تعوذ باللَّه - تعالى - كقوله - تعالى -: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ...) الآية، وإنما يقوى على من جنح له، ومال إلى ما دعاه إليه؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ...) الآية إلى قوله - تعالى -: (ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ) .