«فإن قيل» : إذا كان الله لا يكلف إلا الوسع، وقد حكم أنكم لا تستطيعون
أن تعدلوا، فلا ذنب فيما لا يستطاع، فكيف يغفر ذلك والغفران لا يكون إلا لذنب؟
قيل: الإنسان وإن كان لا يستطيع أن يعدل بين نسائه، فإنه يمكنه أن
يحترز من ذلك بأن لا يتزوج بعدة منهن، وكل ما دخل فيما لا يستطيعه فهو
مأخوذ بدخوله فيه، كمن شرب فسكر، ثم جنى جناية، فإنه مأخوذ بجنايته، لما كان هو سبب سكره، وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول (اللهم إني أعدل فيما أعدل واستغفرك فيما لا أملك) ،
وكان يطوف بين نسائه ليقسم بينهن، ثم استأذنهن أن تمرضه عائشة.
قوله تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)
«إن قيل» : لم أخر الإيمان عن الشكر؟
قيل: لأنه عنى به معرفة النعمة التي يتوصل به إلى معرفة النعم،
ومعرفة المنعم هي الإيمان، فإذا الشكر على هذا الوجه مقدم على الإيمان، لأنه أرفع منه وهو لا ينفك عن الإيمان، والإيمان قد ينفك عنه، ووصفه نفسه بالشكر تنبيها أنه يقابلهم بما يكون منهم، فقد تقدم أن الشكر قد يكون من المولى للعبد بمعنى مقابلته بما يكون من خدمته،
ونبه بقوله: (عَلِيمًا) أنه لا يخفى عليه ما يتحراه العبد.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ...(150)
«إن قيل» : لم أعاد ذكر الرسل ولم يقل بين الله وبينهم فيكون أوجز؟
قيل: لما عنى أنهم يفرقون بين الله ورسله وبعض رسله، وعنى بقوله: (يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) كل رسله لأن كل من كفر ببعضهم كفر بكلهم،
فلو لم يعد ذكرهم لاقتضى أن يكون معناه يفرقون بين الله وبين جماعة الرسل، فإن المضمر لا يفيد إلا ما يفيد مظهره، فأعاد ذكرهم لما كان الأول عاماً والثاني خاصًّا.