والثاني: أن المجاهدين في ثواب الدنيا يتساوون فيما يتناولونه، كمن يأخذ سلب مقتوله، وكتساوي نصيب كل واحد من الفرسان، ونصيب كل واحد من الرجالة، وهم في الآخرة يتفاوتون بحسب إيمانهم، فلهم درجات
حسب استحقاقه، ومنهم من يكون له الغفران، ومنهم من تكون له
الرحمة فقط، وكأن الرحمة أدنى المنازل، والمغفرة فوق الرحمة، ثم بعده
الدرجات على الطبقات، وعلى هذا نبه بقو له: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) .
ومنازل الآخرة تتفاوت، وقد نبّه على ذلك بنحو قوله:
(وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) إلى قوله: (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) . والثالث: أن الجهاد جهادان: صغير وكبير.
فالصغير مجاهدة الكفار، والكبير مجاهدة النفس، وعلى ذلك دلّ
قوله عليه الصلاة والسلام:"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر".
وبقوله:"جهادك هواك" (1) .
وإنما كان مجاهدة النفس أعظم، لأن من جاهد نفسه فقد جاهد الدنيا، ومن غلب الدنيا هان عليه مجاهدة العِدى.
فخص بمجاهدة النفس بالدرجات تعظيمًا لها.
والرابع: أن الأول عنى به الجهاد بالمال، والثاني الجهاد بالنفس.
«إن قيل» : لِمَ ذكر مع الدرجات المغفرة والرحمة معًا؟ وما الفرق بينهما؟
قيل: إن المغفرة تُقال اعتبارًا بإزالة الذنوب، والرحمة تقال اعتبارًا بإيجاب التوبة، وإدخال الجنة، والدرجات هي: المنازل الرفيعة بعد إدخال الجنة.
وقيل: إن الرحمة هي: أن يتوب عليه من الذنب وإن كان بعد تبكيت
وعقاب، والمغفرة هي: أن يستر ذنوبه فلا تبكيت به.
والدرجات: هو أن يجعل لكل واحد درجة بقدر ما يليق به.
وهي المعبرة عنها بالغرفات، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
"إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض."
أعدّ الله أعلاها للمجاهدين في سبيله"، فقال رجل: ما الدرجة؟"
فقال عليه الصلاة والسلام:"أما إنها ليست بعتبة" (2) .
(1) (حديث مقطوع) (حديث موقوف) وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا وَبِالإِسْنَادِ حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعْدٍ"أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: جِهَادُكَ هَوَاكَ".
(2) تمام الحديث: أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام.
(النسائي. 6/ 27) كتاب الجهاد، باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله.