أما قوله: (بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) فذكَّر ولم يقل بيتت، فلأن كل تأنيث غير حقيقي فتعبيره بلفظ التذكير جائز، تقول: قالت طائفة من أهل الكتاب، وقال طائفة من المسلمين لأن طائفة وفريقاً في معنى واحد، فكذلك قوله عزَّ وجلَّ: (فَمن جَاءَهُ موعظَةٌ مِنْ رَبِّه) .
وقوله: (يَا أيها النَّاسُ قَد جَاءَتْكُمْ مَوعِظَة مِن رَبِّكُم) .
يعني الوعظ إِذا قلت (فمن جاءَه موعظة) .
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(83)
قال بعضهم: لولا ما أنزله اللَّه عليكم من القرآن، وبين لكم من الآيات على لسان نبيه لاتَبعْتُم الشيطانَ إِلَّا قَلِيلًا، أي كان أولكم بجوار الكفر.
وهذا ليس قولُ أحد من أهل اللغة.
قال أهل اللغة كلُّهم: المعنى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) إِنما هو استثناء من قوله (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (إِلَّا قَلِيلًا) .
وقال النحويون: المعنى أذاعوا به إِلا قليلًا.
وقالوا أن يكون الاستثناء من (أذاعوا به) إلا قليلًا أجود، لأن مَا عُلِمَ بالاستنباط فليس الأكثر يعرفه، إِنما يستنبط القليل، لأن الفضائل والاستنباط، والاستخراج في القليل من الناس.
وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين، لأن هذا الاستنباط ليس بشيء يستخرج بنظر وتفكر، إنما هو استنباط خبر، فالأكثر يعرف الخبر، إذا خُبِرَ بِه، وإِنما القليل المبالِغُ في البلادة لا يَعْلَمُ ما يُخْبرُ بِه، والقول الأول مع هذين القولين جائزة كلها. والله أعلم.
لأن القرآن قبل أن ينزل والنبي قبل أن يبعث قد كان في الناس القليلُ ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي - صلى الله عليه وسلم - مَؤمناً.