لَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْمَ أَوَّلًا: أَنْكَرُوا قُدْرَةَ اللَّه تَعَالَى عَلَى خَلْقِ الْوَلَدِ مِنْ دُونِ الْأَبِ، وَثَانِيًا: نَسَبُوا مَرْيَمَ إِلَى الزِّنَا، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَبِكُفْرِهِمْ) هُوَ إِنْكَارُهُمْ قُدْرَةَ اللَّه تَعَالَى، وَبِقَوْلِهِ (وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا) نِسْبَتُهُمْ إِيَّاهَا إِلَى الزِّنَا، وَلَمَّا حَصَلَ التَّغَيُّرُ لَا جَرَمَ حَسُنَ الْعَطْفُ، وَإِنَّمَا صَارَ هَذَا الطَّعْنُ بُهْتَانًا عَظِيمًا لِأَنَّهُ ظَهَرَ عِنْدَ وِلَادَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ مَا دَلَّ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) [مَرْيَمَ: 25] وَنَحْوَ كَلَامِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَالَ كَوْنِهِ طِفْلًا مُنْفَصِلًا عَنْ أُمِّهِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ دَلَائِلُ قَاطِعَةٌ عَلَى بَرَاءَةِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رِيبَةٍ، فَلَا جَرَمَ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى طَعْنَ الْيَهُودِ فِيهَا بِأَنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، وَكَذَلِكَ وَصَفَ طَعْنَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَائِشَةَ بِأَنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ حَيْثُ قَالَ: (سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ) [النُّورِ: 16] وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّوَافِضَ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ فِي عَائِشَةَ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ الذين يطعنون في مريم عليها السلام.
(وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)
«فَإِنْ قِيلَ» : الْيَهُودُ كَانُوا كَافِرِينَ بِعِيسَى أَعْدَاءً لَهُ عَامِدِينَ لِقَتْلِهِ يُسَمُّونَهُ السَّاحِرَ ابْنَ السَّاحِرَةِ وَالْفَاعِلَ ابْنَ الْفَاعِلَةِ، فَكَيْفَ قَالُوا: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه؟
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: