وأما ما ذكرُ آلِ عمرانَ مع اندراجهم في آل إبراهيمَ فلإظهار مزيدِ الاعتناء بتحقيق أمر عيسى عليه الصلاة والسلام لكمال رسوخِ الخلاف في شأنه فإن نسبةَ الاصطفاءِ إلى الأب الأقرب أدلُّ على تحققه في الآل وهو الداعي إلى إضافة الآلِ إلى إبراهيمَ دون نوحٍ وآدمَ عليهم الصلاة والسلام والاصطفاء أخذُ ما صفا من الشيء كالاستصفاء مثّل به اختيارَه تعالى إياهم النفوسَ القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانيةِ والكمالاتِ الجُسمانية المستتبعةِ للرسالة في نفس المصطفى كما في كافَّةُ الرسلُ عليهم الصَّلاةُ والسلام أو فيمن يلابسه وينشأ منه كما في مريمَ.
وقيل اصطفى آدم عليه الصلاة والسلام بأن خلقه بيده في أحسنِ تقويمٍ وبتعليم الأسماء وإسجاد الملائكة إياه وإسكانِ الجنة واصطفى نوحاً عليه الصلاة والسلام بكونه أولَ من نسخ الشرائعَ إذ لم يكن قبل ذلك تزويجُ المحارم حراماً وبإطالة عُمره وجعْلِ ذريتِه هم الباقين واستجابةِ دعوتِه في حق الكفرة والمؤمنين وحملِه على متن الماء والمرادُ بآل إبراهيمَ إسماعيل وإسحاق والأنبياءُ من أولادهما الذين من جملتهم النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم.
وأما اصطفاء نفسه عليه الصلاة والسلام فمفهومٌ من اصطفائهم بطريق الأولوية وعدمُ التَّصريحِ به للإيذانِ بالغنى عنه لكمال شهرةِ أمرِه في الخِلّة وكونه إمام الأنبياء قدوة الرسلُ عليهم الصلاة والسلام وكونِ اصطفاء آله بدعوته بقوله {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ} الآية ولذلك قال عليه الصلاة والسلام أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ.
{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) }