الأول: أن القوم كانوا يَبْذلون النفوسَ والأموالَ في المنازعة مع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولو كانوا شاكِّين لَمَا فعلوا ذلك.
الثاني: أنه قد نُقل عن أولئك النصارَى أنهم قالوا: إنه والله هو النبي المبشَّرُ به في التوراةِ والإنجيلِ وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصالُ، فكان تصريحاً منهم بأن الامتناع من المباهلة كان لأجل علْمِهم بأنه نبي مُرْسَل من عند الله تعالى.
{يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) }
«فَإِنْ قِيلَ» : فهذا - أيضاً - لازم عليكم؛ لأنكم تقولون: إن إبراهيم على دين الإسلام، والإسلام إنما نزل بعده بزمان طويلٍ، فإن قلتم: المراد أن إبراهيم كان في أصول الدين على مذهب المسلمين الآن، فنقول لهم: لِمَ لا يجوز - أيضاً - أن يقول اليهود: إن إبراهيم كان يهوديًّا بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه اليهود، وتقول النصارى: إن إبراهيم كان نصرانياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى؟
فكون التوراة والإنجيل نأزلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهودياً أو نصرانياً، كما أن كون القرآن نازلاً بعده لا ينافي كونه مسلماً؟
فالجَوابُ: أن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهودياً، أو نصرانياً، فظهر الفرق.