وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَشَاوِرْهُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
شَاوِرْ صَدِيقَكَ فِي الْخَفِيِّ الْمُشْكِلِ ... وَاقْبَلْ نَصِيحَةَ نَاصِحٍ مُتَفَضِّلِ
فَاللَّهُ قَدْ أَوْصَى بِذَاكَ نبيه ... في قوله: (شاوِرْهُمْ) و (فَتَوَكَّلْ)
قوله تعالى: (هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ)
قيل: (هُمْ دَرَجاتٌ) متفاوتة، أي هم مختلفوا المنازل عند الله، فلمن ابتغى رِضْوَانَهُ الْكَرَامَةُ وَالثَّوَابُ الْعَظِيمُ، وَلِمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْهُ الْمَهَانَةُ وَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ.
وَمَعْنَى (هُمْ دَرَجاتٌ) أَيْ ذَوُو دَرَجَاتٍ.
أَوْ عَلَى دَرَجَاتٍ، أَوْ فِي دَرَجَاتٍ، أَوْ لَهُمْ دَرَجَاتٌ.
وَأَهْلُ النَّارِ أَيْضًا ذَوُو دَرَجَاتٍ، كَمَا قَالَ: (وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ) .
فَالْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ لَا يَسْتَوِيَانِ فِي الدَّرَجَةِ، ثُمَّ الْمُؤْمِنُونَ يَخْتَلِفُونَ أَيْضًا، فَبَعْضُهُمْ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنْ بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ.
وَالدَّرَجَةُ الرُّتْبَةُ، وَمِنْهُ الدَّرَجِ، لِأَنَّهُ يُطْوَى رُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ.
وَالْأَشْهَرُ فِي مَنَازِلَ جَهَنَّمَ دَرَكَاتٌ، كَمَا قَالَ: (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) فَلِمَنْ لَمْ يَغُلَّ دَرَجَاتٌ فِي الْجَنَّةِ، وَلِمَنْ غَلَّ دَرَكَاتٌ فِي النَّارِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَهَنَّمُ أَدْرَاكٌ، أَيْ مَنَازِلٌ، يُقَالُ لِكُلِّ مَنْزِلٍ مِنْهَا: دَرَكٌ وَدَرْكٌ.
وَالدَّرْكُ إِلَى أَسْفَلَ، وَالدَّرَجُ إلى أعلى.
(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(164)
مَعْنَى (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أَيْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ.
فَلَمَّا أَظْهَرَ الْبَرَاهِينَ وَهُوَ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) مِنْهُمْ.
فَشَرُفُوا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْمِنَّةُ.
وَقِيلَ: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) لِيَعْرِفُوا حَالَهُ وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِمْ طَرِيقَتُهُ.