قَالَ الْوَائِلِيُّ أَبُو: نَصْرٍ الْمَقَالَةُ الَّتِي قَالَهَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا هِيَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ وَلَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَقْطَعَ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ) وَكَانَ قَالَ ذَلِكَ لِعَظِيمِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَخَشِيَ الْفِتْنَةَ وَظُهُورَ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا شَاهَدَ قُوَّةَ يَقِينِ الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ أَبِي بَكْرٍ، وَتَفَوُّهَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران: 185] وقوله: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر: 30] وما قاله ذلك اليوم - تنبه وَتَثْبِيتٌ وَقَالَ: كَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ بِالْآيَةِ إِلَّا مِنْ أَبِي بَكْرٍ.
وَخَرَجَ النَّاسُ يَتْلُونَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، كَأَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وَمَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِلَا اخْتِلَافٍ، فِي وَقْتِ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ فِي هِجْرَتِهِ حِينَ اشْتَدَّ الضَّحَاءُ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَقِيلَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ.
وَقَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَرْثِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
أَلَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ رَجَاءَنَا ... وَكُنْتَ بِنَا بَرًّا وَلَمْ تَكُ جَافِيَا
وَكُنْتَ رَحِيمًا هَادِيًا وَمُعَلِّمًا ... لِيَبْكِ عَلَيْكَ الْيَوْمَ مَنْ كَانَ بَاكِيَا
لَعَمْرُكَ مَا أَبْكِي النَّبِيَّ لِفَقْدِهِ ... وَلَكِنْ لِمَا أَخْشَى مِنَ الْهَرْجِ آتِيَا
كَأَنَّ عَلَى قَلْبِي لِذِكْرِ مُحَمَّدٍ ... وَمَا خِفْتُ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ الْمَكَاوِيَا
أَفَاطِمَ صَلَّى اللَّهُ رَبُّ مُحَمَّدٍ ... عَلَى جَدَثٍ أَمْسَى بِيَثْرِبَ ثَاوِيَا
فِدًى لِرَسُولِ اللَّهِ أُمِّي وَخَالَتِي ... وَعَمِّي وَآبَائِي وَنَفْسِي وَمَالِيَا
صدقت وبلغت الرسالة صادقا ... ومت صليب الْعُودِ أَبْلَجَ صَافِيَا
فَلَوْ أَنَّ رَبَّ النَّاسِ أَبْقَى نَبِيَّنَا ... سَعِدْنَا وَلَكِنْ أَمْرُهُ كَانَ مَاضِيَا
عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ السَّلَامُ تَحِيَّةً ... وَأُدْخِلْتَ جَنَّاتٍ من عدن رَاضِيَا
أَرَى حَسَنًا أَيْتَمْتَهُ وَتَرَكْتَهُ ... يُبَكِّي وَيَدْعُو جَدَّهُ الْيَوْمَ نَاعِيَا.