فَقَالَ: الْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ لِأَنِّي إِنَّمَا حَكَمْتُ بِذَلِكَ الْحُلُولِ، لِأَنَّهُ ظَهَرَتْ تِلْكَ الْأَفْعَالُ الْعَجِيبَةُ عَلَيْهِ، وَالْأَفْعَالُ الْعَجِيبَةُ مَا ظَهَرَتْ عَلَى يَدِي وَلَا عَلَى يَدِكَ، فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ الْحُلُولَ مَفْقُودٌ هَاهُنَا، فَقُلْتُ لَهُ: تَبَيَّنَ الْآنَ أَنَّكَ مَا عَرَفْتَ مَعْنَى قَوْلِي إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ظُهُورَ تِلْكَ الْخَوَارِقِ دَالَّةٌ عَلَى حُلُولِ الْإِلَهِ فِي بَدَنِ عِيسَى: فَعَدَمُ ظُهُورِ تِلْكَ الْخَوَارِقِ مِنِّي وَمِنْكَ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الدَّلِيلُ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ظُهُورِ تِلْكَ الْخَوَارِقِ مِنِّي وَمِنْكَ عَدَمُ الْحُلُولِ فِي حَقِّي وَفِي حَقِّكَ، وَفِي حَقِّ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ وَالْفَأْرِ ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّ مَذْهَبًا يُؤَدِّي الْقَوْلُ بِهِ إِلَى تَجْوِيزِ حُلُولِ ذَاتِ اللَّهِ فِي بَدَنِ الْكَلْبِ وَالذُّبَابِ لَفِي غَايَةِ الْخِسَّةِ وَالرَّكَاكَةِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ قَلْبَ الْعَصَا حَيَّةً، أَبْعَدُ فِي الْعَقْلِ مِنْ إِعَادَةِ الْمَيِّتِ حَيًّا، لِأَنَّ الْمُشَاكَلَةَ بَيْنَ بَدَنِ الْحَيِّ وَبَدَنِ الْمَيِّتِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ بَيْنَ الْخَشَبَةِ وَبَيْنَ بَدَنِ الثُّعْبَانِ، فَإِذَا لَمْ يُوجِبْ قَلْبُ الْعَصَا حَيَّةً كَوْنَ مُوسَى إِلَهًا وَلَا ابْنًا لِلْإِلَهِ، فَبِأَنْ لَا يَدُلَّ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى عَلَى الْإِلَهِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى، وَعِنْدَ هَذَا انْقَطَعَ النَّصْرَانِيُّ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ كَلَامٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.