وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الْأَجْسَامِ الْمُشَكَّلَةِ بِالشَّكْلِ الْمَخْصُوصِ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ هُوِيَّةٍ أُخْرَى مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ: إِمَّا الْمِزَاجُ الْمُعْتَدِلُ، أَوِ النَّفْسُ، وَيَنْجَرُّ الْكَلَامُ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ إِلَى أَنَّ النَّفْسَ مَا هِيَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا مِنْ أَغْمَضِ الْمَسَائِلِ.
الْجَوَابُ: الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْهَيْكَلُ بِحَيْثُ سَيَصِيرُ آدَمُ عَنْ قَرِيبٍ سَمَّاهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ ذَلِكَ، تَسْمِيَةً لِمَا سَيَقَعُ بِالْوَاقِعِ.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ (ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يُفِيدُ تَرَاخِيَ هَذَا الْخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) [البلد: 17] وَيَقُولُ الْقَائِلُ: أَعْطَيْتُ زَيْدًا الْيَوْمَ أَلْفًا ثُمَّ أَعْطَيْتُهُ أَمْسِ أَلْفَيْنِ، وَمُرَادُهُ: أَعْطَيْتُهُ الْيَوْمَ أَلْفًا، ثُمَّ أَنَا أُخْبِرُكُمْ أَنِّي أَعْطَيْتُهُ أَمْسِ أَلْفَيْنِ فَكَذَا قَوْلُهُ (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) أَيْ صَيَّرَهُ خَلْقًا سَوِيًّا ثُمَّ إِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ أَنِّي إِنَّمَا خَلَقْتُهُ بِأَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: فِي الْآيَةِ إِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ فَلَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ بَلْ قَالَ: (كُنْ فَيَكُونُ) ؟
وَالْجَوَابُ: تَأْوِيلُ الْكَلَامِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَكَانَ.
وَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ مَا قَالَ لَهُ رَبُّكَ كُنْ فَإِنَّهُ يَكُونُ لا محالة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)