* الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ إِنَّمَا كَانَا مَحْبُوبَيْنِ لِأَنَّهُمَا جَعَلَا ثَمَنَ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَمَالِكُهُمَا كَالْمَالِكِ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَصِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ هِيَ الْقُدْرَةُ، وَالْقُدْرَةُ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالْكَمَالِ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَكْمَلَ الْوَسَائِلِ إِلَى تَحْصِيلِ هَذَا الْكَمَالِ الَّذِي هُوَ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ وَمَا لَا يُوجَدُ الْمَحْبُوبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مَحْبُوبٌ، لَا جرم كانا محبوبين.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)
اعْلَمْ أَنَّ الْمَآبَ فِي اللُّغَةِ الْمَرْجِعُ، يُقَالُ: آبَ الرَّجُلُ إيابًا وأوبة وأبية وَمَآبًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ) وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بَيَانُ أَنَّ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الدُّنْيَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَى مَا يَكُونُ فِيهِ عِمَارَةٌ لِمَعَادِهِ وَيَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى سَعَادَةِ آخِرَتِهِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْغَرَضُ التَّرْغِيبَ فِي الْمَآبِ وَصَفَ الْمَآبَ بالحسن.
فإن قيل: المآب قسمان: الْجَنَّةُ وَهِيَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَالنَّارُ وَهِيَ خَالِيَةٌ عَنِ الْحُسْنِ، فَكَيْفَ وَصَفَ الْمَآبَ الْمُطْلَقَ بِالْحُسْنِ؟
قُلْنَا: الْمَآبُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ هُوَ الْجَنَّةُ، فَأَمَّا النَّارُ فَهِيَ الْمَقْصُودُ بِالْغَرَضِ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ لِلرَّحْمَةِ لَا لِلْعَذَابِ، كَمَا قَالَ: (سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي) وَهَذَا سِرٌّ يُطَّلَعُ مِنْهُ على أسرار غامضة.
(الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ(17)
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا) [السَّجْدَةِ: 24] إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا تِلْكَ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ الصَّبْرِ، وَيُرْوَى أَنَّهُ وَقَفَ رَجُلٌ على الشلبي، فَقَالَ: أَيُّ صَبْرٍ أَشَدُّ عَلَى الصَّابِرِينَ؟