الفرق بين سقى وأسقى ، فإنه سقى لما لا كلفة معه فِي السقيا ولهذا أورده تعالى فِي شراب الجنة فقال وسقاهم ربهم شراباً طهوراً وأسقى لما فيه كلفة ولهذا أورده فِي شراب الدنيا فقال وأسقيناكم ماء فراتاً لأسقيناهم ماء غدقاً لأن السقيا فِي الدنيا لا تخلومن الكلفة أبداً.
الاستدراك والاستثناء شرط كونهما من البديع أن يتضمنا ضرباً من المحاسن زائداً على ما يدل عليه المعنى اللغوي. مثال الاستدراك قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا فإنه لواقتصر على قوله لم تؤمنوا لكان منفرداً لهم ، لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيماناً فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك ليعلم أن الإيمان موافقة القلب اللسان ، إن إنفراد اللسان بذلك يسمى إسلاماً ولا يسمى إيماناً ، وزاد ذلك إيضاحاً بقوله (ولما يدخل الإيمان فِي قلوبكم فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الأشكال عد من المحاسن. ومثال الاستثناء فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فإن الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة يمهد عذر نوح فِي دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم إذا لوقيل فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاماً لم يكن فيه من التهويل ما فِي الأول لأن لفظ الألف من الأول ، أول ما يطرق السمع فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام ، وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعدها ما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف.