ـــــــ
وأما حديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها.
فهو أيضًا ليس بدليل على نسخ ذلك القانون، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: في الاحتجاج به نظر، لأنها حكاية فعل لا عموم لها، فيحتمل أن يكون لعذر ويحتمل أن يكون في بنيان ونحوه انتهى وقال القاضي الشوكاني في النيل: إن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بنا، كما تقرر في الأصول انتهى.
وأما حديث ابن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستقبلًا بيت المقدس مستدبرًا القبلة.
فهو أيضًا لا يدل على نسخ ذلك القانون لما مر في حديث جابر آنفًا.
وأما حديث مروان الأصغر فهو أيضًا لا يدل على نسخ ذلك القانون، لأن قول ابن عمر فيه إنما نهى عن ذلك في الفضاء، يحتمل أنه قد علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أنه قال ذلك استنادا إلى الفعل الذي شاهده ورواه، فكأنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة مستدبرًا القبلة فهم اختصاص النهي بالبنيان، فلا يكون هذا الفهم حجة، فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
فالحاصل: أن أولى الأقوال وأقواها عندي ـ والله أعلم ـ هو قول من قال إنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقًا، قال القاضي الشوكاني في النيل: الإنصاف الحكم بالمنع مطلقًا، والجزم بالتحريم، حتى ينتهض دليل يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة ولم نقف على شيء من ذلك انتهى، وقال ابن العربي في شرح الترمذي: والمختار ـ والله الموفق ـ أنه لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار في الصحراء ولا في البنيان، لأنا إن نظرنا إلى المعاني فقد بينا أن الحرمة للقبلة، ولا يختلف في البادية ولا في الصحراء، وإن نظرنا إلى الآثار فإن حديث أبي أيوب عام في كل موضع معلل بحرمة القبلة، وحديث ابن عمر لا يعارضه ولا حديث جابر لأربعة أوجه: