ـــــــ
قلت: رجح النووي مذهب مالك والشافعي وغيرهما، ورجحه أيضًا الحافظ ابن حجر حيث قال: هو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة.
وعندي: أولى الأقوال وأقواها دليلًا هو قول من قال إنه لا يجوز ذلك مطلقًا لا في البنيان ولا في الصحراء فإن القانون الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب لأمته هو قوله لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، وهو بإطلاقه شامل للبنيان والصحراء، ولم يغيره صلى الله عليه وسلم في حق أمته لا مطلقًا ولا من وجه.
فأما حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم إلخ الذي ذكره النووي وقال إسناده حسن. فهو حديث ضعيف منكر لا يصلح للاحتجاج، قال الحافظ الذهبي في الميزان: خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة حولوا مقعدتي نحو القبلة أو قد فعلوها لا يكاد يعرف، تفرد عنه خالد الحذاء، وهذا حديث منكر، فتارة رواه الحذاء عن عراك وتارة يقول عن رجل عن عراك، وقد روى عن خالد بن أبي الصلت سفيان بن حصين ومبارك بن فضالة وغيرهما، وذكره ابن حبان في الثقات، وما علمت أحدا يعرض إلى لينه، لكنه الخبر منكر انتهى. وقال البخاري: خالد بن أبي الصلت عن عراك مرسل، كذا في التهذيب، وقال ابن حزم في المحلى إنه ساقط لأن راويه خالد الحذاء وهو ثقة عن خالد ابن أبي الصلت وهو مجهول لا ندري من هو، وأخطأ فيه عبد الرزاق فرواه عن خالد الحذاء عن كثير بن الصلت وهذا أبطل وأبطل، لأن خالدًا الحذاء لم يدرك كثير بن الصلت انتهى.
ولو صح هذا الحديث لما كانت فيه حجة على تغيير ذلك القانون ونسخة. لأن نصه صلى الله عليه وسلم يبين أنه إنما كان قبل النهي، لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط ثم ينكر عليهم طاعته، في ذلك وهذا مالا يظنه مسلم، ولا ذو عقل، وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم، فلو صح لكان منسوخًا بلا شك.