السلف جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه وجلع جزاء التوكل عليه نفس كفايته فقال ومن يتوكل على الله فهو حسبه ولم يقل فله كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا وكفاه ونصره انتهى وفي أثر رواه أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال الله عز و جل في بعض كتبه بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات ومن فيهن والارضون بمن فيهن فإني أجعل له بذلك مخرجا ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف من تحت قدميه الارض فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه كفا بي لعبدي مالا إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني وأستجيب له قبل أن يدعوني فأنا أعلم بحاجته التي ترفق به منه وفي الآية دليل على فضل التوكل وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار لأن الله علق الجملة الأخيرة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط فيمتنع أن يكون وجود الشرط كعدمه لأنه تعالى رتب الحكم على الوصف المناسب له فعلم أن توكله هو سبب كون الله حسبا له ذكره شيخ الاسلام وفيها تنبيه على القيام بالأسباب مع التوكل لأنه تبارك وتعالى ذكر التقوى ثم ذكر التوكل كما قال واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون فجعل التقوى الذي هو قيام بالأسباب المأمور بها فحينئذ إذا توكل على الله فهو حسبه فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض وإن كان مشوبا بنوع من التوكل فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا ولا عجزه توكلا بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها