كان في عافية فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو تحت الهدم أو نحو ذلك كما جرت العادة بأنه يهلك ويؤذي فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم وقدوم بلد الطاعون فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره
وأما اذا قوي التوكل على الله والإيمان بقضائه وقدره فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لا سيما اذا كانت فيه مصلحة عامة أو خاصة وعلى هذا يحمل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه و سلم أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال كل باسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه وقد أخذ به الإمام أحمد وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان رضي الله عنهم ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد من أكل السم ومن مشي سعد بن أبي وقاص وابي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر قاله ابن رجب
قوله ولا طيرة قال ابن القيم هذا يحتمل أن يكون نفيا أو يكون نهيا أي لا تتطيروا ولكن قوله في الحديث ولا عدوى ولا صفر ولا هامة يدل على أن المراد النفي وابطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها والنفي في هذا أبلغ من النهي لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره والنهي إنما يدل على المنع منه وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم ومنا أناس يتطيرون فقال ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به فوهمه وخوفه واشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه فأوضح صلى الله عليه و سلم لأمته الأمر وبين لهم فساد الطيرة ليعلموا ان الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه