فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 115

تعرضتُ هنا لبيان أوصاف الصراط المستقيم في الكتاب والسُّنَّة، مع بيان شيء من لطائف المعاني في ذلك، ولم أقف - فيما اطّلعت - على أحد من أهل العلم خصّ الصراط المستقيم بمثل هذا الجمع والبيان والتفصيل. والحمد لله على توفيقه.

فأقول: الصراط جاء ذكرُه في القرآن على عدة أشكال:

1)معرَّفًا بأل - كما في سورة الفاتحة هنا -.

وهذا يفيد التقييد وليس الإطلاق والعموم، وعليه فإنَّه لا يقبل عند الله أيُّ عملٍ وأيُّ سبيلٍ!! وإنما ما كان موصوفًا معروفًا مأمورًا به؛ قد دلَّت عليه الشريعة.

وكذلك يُستفاد التعريف أيضًا من الإضافة إلى المعرفة في قوله تعالى {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} .

2)مستقيمًا - كما في سورة الفاتحة هنا -.

وكقوله تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام:153) . (1)

وهذا يفيد عدمَ الاعوجاج والانحراف، فهو واضح غير متضارب، وهو أقرب الطرق إلى الحق لاستقامته، فأقصر الخطوط هو الخط المستقيم. (2)

ولتمام الفائدة: إنْ قيل: ما وجه تقييد الصراط بالاستقامة إذا كان هو أصلًا من معانيه الاستقامة!!

والجواب: إنّ الصفة تكون أحيانًا صفة مقيدة، وتكون أحيانًا صفة موضحة كاشفة - كما هو الحال هنا -، والغاية منها بيان العلة في الأمر أو الحكم، يعني: اتبعوا الصراط لكونه مستقيمًا لا اعوجاج فيه.

ومثال الصفة الموضحة الكاشفة: قولُه تعالى {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الكَافِرُوْنَ} (المؤمنون:117) ، فليس معنى {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} أنه إنْ كان له برهان به فجائز!! ولكنَّ المعنى: إنَّ أيَّ شيء غيرَ الله ليس له برهان للعبادة، فهي علة التوحيد لرب العالمين سبحانه وتعالى.

3)ذُكِرَ بالإفراد:

مما يدل أنه واحد فقط.

قال ابن القيم رحمه الله: (وذَكَرَ الصراطَ المستقيم مُفردًا مُعرَّفًا تعريفين: تعريفًا باللام، وتعريفًا بالإضافة، وذلك يُفيد تعيُّنَه واختصاصه، وأنه صراطٌ واحدٌ، وأمَّا طُرُقُ أهلِ الغضب والضلال؛ فإنه سبحانه يجمعها ويُفردها، كقوله {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (الأنعام:153) ، فوَحَّدَ لفظَ الصراط وسبيلَه، وجمع السُّبُلَ المخالفة له). (1)

(1) وسيأتي معنا بعد قليل حديثُ ابن مسعود الذي فيه ذِكْرُ هذه الآية.

(2) طبعًا لا يلزم من قولنا (أقرب) تصحيحُ ما عداه من الطرق، وإنما هو من باب الإفهام والتوضيح، فالعرب تستخدم أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشارك له من جنسه.

(1) مدارج السالكين (37/ 1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت