15)أنَّ هناك سُبلًا على جنبتي الصراط تفرِّقُ عنه، ولكل سبيل منها شيطانٌ يدعو إليها؛ فيزين الانحرافَ عن الصراط المستقيم - كما هو شأنُ عامة أهل الأهواء والبدع في تزيين باطلهم -.
وفي هذا بيانُ أهمية التزام الحق والهدي النبويّ، وأنْ لا يغترَ المسلمُ بالدعاوى إلى أيْ طريق منها - وإنْ زخرفها أهلُها بالدعاوى الحسنة -؛ طالما أنها لم توافق الهدي النبويّ، وذلك لأنّ صراطَ الله هو الصراطُ المستقيمُ الذي لا أقصر منه، ولا ينجي غيرُه. (1)
وتأملْ قوله تعالى - في معرض استعجال رؤية النتائج: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ، أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ، فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (الزخرف:41 - 44) .
قال ابن القيم رحمه الله: (وللهداية مرتبة أخرى - وهي آخر مراتبها - وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة، وهو الصراطُ المُوصل إليها، فمن هُدِيَ في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم - الذي أرسلَ به رسلَه، وأنزل به كتبَه -؛ هُديَ هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قَدْرِ ثُبوتِ قَدَمِ العبد على هذا الصراط - الذي نصبه اللهُ لعباده في هذه الدار - يكونُ ثبوتُ قدمِه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قَدْرِ سيْرِه على هذه الصراط؛ يكون سيرُه على ذاك الصراط.
فمنهم مَن يمُرُّ كالبرق، ومنهم مَن يمُرُّ كالطرْف، ومنهم مَن يمُرُّ كالريح، ومنهم مَن يمُرُّ كشد الركاب، ومنهم مَن يسعى سعيًا، ومنهم مَن يمشي مشيًا، ومنهم مَن يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسَلَّم، ومنهم المكردس في النار.
فلينظر العبدُ سيرَه على ذلك الصراط مِن سيره على هذا، حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ (1) ، جزاءً وفاقًا {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (النمل:90) .
ولينظرِ الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم؛ فإنها الكلاليبُ التي بجنبتي ذاك الصراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه، فإنْ كثُرَت هنا وقويت؛ فكذلك هي هناك {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت:46) ، فسؤالُ الهداية متضمن لحصول كل خير والسلامة من كل شرّ). (2)
وهو من قوله تعالى {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} ، فـ (أكمل أحوال السائل: أنْ يمدح مسؤولَه، ثم يسألَ حاجتَه وحاجةَ إخوانه المؤمنين بقوله: {اهْدِنَا} ، لأنه أنجحُ للحاجة وأنجعُ للإجابة، ولهذا أرشد اللهُ تعالى إليه لأنه الأكمل، وقد يكون السؤالُ: بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص:24) .
وقد يتقدمُه مع ذلك وصفُ المسؤول، كقول ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء:87) .
وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول). (1)
(1) وقد كان بعض علمائنا الأكابر يروي الحديث بزيادة (خطوطًا قصيرة) - يعني في وصف الخطوط التي على جنبتي الصراط -، ويَستدل بها على أنَّ الصراطَ المستقيمَ هنا طويلٌ، وعليه فلا بد من الصبر ... إلى آخر كلامه النافع رحمه الله.
إلَّا أنني - من باب الأمانة العلمية - لم أعثر في روايات الحديث على ما يدل على هذا القِصَر، ولعل الفائدة تكون أكبرُ في الاستدلال بكون الصراط المستقيم لا يلزم أنْ يكون أطول أصلًا من غيره، بل لكونه مستقيمًا فلا بد أنْ يكون هو الأقصر، فأقصرُ الخطوط هو الخط المستقيم كما هو معلوم. والله أعلم.
(1) (القُذَذُ: رِيْشُ السَّهْمِ، وَاحِدَتُهَا: قُذَّة، وَمِنْهُ الحَدِيْثُ(لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قبلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ) ، أَيْ كَمَا تُقَدَّرُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ صَاحِبَتِهَا وَتُقْطَعُ، يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْئَيْنِ يَسْتَوِيَانِ وَلَا يَتَفَاوَتَانِ). النهاية في غريب الحديث والأثر (28/ 4) .
(2) مدارج السالكين (1/ 33) .
(1) تفسير ابن كثير (1/ 136) .