1)أنَّ الحمد أعمُّ من حيث السبب، بمعنى أنَّه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول: حمدتُه لفروسيته - وهذا لازم -، وحمدتُه لكرمه - وهذا متعدّ -.
أمَّا الشكر فهو أخصُّ، لأنه لا يكون إلَّا على الصفات المتعدية، فلا يقال: شكرتُه لفروسيته! وإنما تقول مثلًا: شكرتُه على كرمه وإحسانه إليَّ.
قال القرطبي رحمه الله: (الصحيحُ أنَّ الحمدَ ثناءٌ على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكرَ ثناءٌ على المشكور بما أَوْلَى من الإحسان) . (1)
2)أنَّ الحمد أخصُّ من حيث ما يقع عليه، لأنه لا يكون إلَّا بالقول، فهو الثناءُ بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية.
أمَّا الشكر فهو أعمُّ، لأنه يكون بالجَنان واللسان والأركان.
كما قال الشاعر: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا. (2)
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وأصلُ الشكر في وضع اللسان: ظهور أثرِ الغذاء في أبدان الحيوان ظهورًا بيّنًا.
يقال: شَكِرَتِ الدَّابَّةُ تَشْكَرُ شَكَرًا على وزن سَمِنَتْ تَسْمَنُ سِمَنًا: إذا ظهر عليها أثرُ العلف، وَدَابَّةٌ شَكُورٌ: إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تأكل وتُعطى من العلف.
وفي صحيح مسلم (حَتَّى إِنَّ الدَّوَابَّ لَتَشْكَرُ مِنْ لُحُومِهِم) أي: لَتسمن من كثرة ما تأكل منها. (3)
وكذلك حقيقته في العبودية: وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبةً، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعةً.
والشكرُ مبني على خمس قواعد: خضوعُ الشاكر للمشكور، وحبُّه له، واعترافُه بنعمته، وثناؤُه عليه بها، وأنْ لا يستعملها فيما يكره). (4)
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
(والفرقُ بين الحمد والشكر: أنّ الحمدَ يتضمن المدحَ والثناءَ على المحمود بذكر محاسنه - سواءً كان إحسانًا إلى الحامد أو لم يكن -، والشكر لا يكون إلّا على إحسان المشكور، فمِنْ هذا الوجه الحمدُ أعمُّ من الشكر، لأنه يكون على المحاسن والإحسان، فإنّ اللهَ يُحْمَدُ على ما له من الأسماء الحسنى؛ وما خلَقَه في الآخرة والأولى، ولهذا قال: {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} (الإسراء:111) ، وقال: {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} (الأنعام:1) ، إلى غير ذلك من الآيات.
وأمّا الشكرُ فإنه لا يكون إلّا على الإنعام، فهو أخصُّ من الحمد من هذا الوجه، لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، ولهذا قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} (سبأ:13) .
والحمدُ يكون بالقلب واللسان، فمِن هذا الوجه الشكرُ أعمُّ من جهة أنواعه، والحمدُ أعمُّ من جهة أسبابه). (5)
(1) تفسير القرطبي (1/ 134) .
(2) انظر تفسير ابن كثير (1/ 128) .
(3) قلتُ: والحديث المذكور رواه الترمذي (3153) ، ولم أجد لفظَه في مسلم - إلَّا أنْ يكون المقصودُ أصلَه -، وأخرجه الحاكم في المستدرك (8501) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه) .
والحديث المذكور هو في حق يأجوج ومأجوج عند موتهم؛ حيث تأكل دوابُّ الأرض من جثثهم؛ ويظهر عليهم أثرُ السِّمَن من ذلك.
(4) مدارج السالكين (234/ 2) .
(5) تفسير الفاتحة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ص 39) .