فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 115

وأمَّا إذا قال كما قال الله تعالى: يد، وسمع، وبصر، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ} (الشُّورى:11 ) ) . (7)

وقال الإمام أبو عمر بن عبد البَرِّ رحمه الله (8) :(أهل السُّنَّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة، والإيمانِ بها وحملِها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلّا أنهم لا يكيّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة.

وأمَّا أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج؛ فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أنَّ من أقرَّ بها مشبهٌ!! وهم عند من أثبتها نافون للمعبود.

والحقُّ: فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسُنَّة رسوله، وهم أئمة الجماعة. والحمد لله). (9)

30 -وجه قوله تعالى{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}دون(المنعَم عليهم).

قال ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد:

(أحدها: أنّ هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن، وهي أنّ أفعالَ الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى، فيذكر فاعلَها منسوبةً إليه، ولا يبني الفعلَ معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة؛ حُذِف الفاعلُ وبُنِي الفعلُ معها للمفعول أدبًا في الخطاب، وإضافته إلى الله أشرفُ قِسْمَي أفعالِه، فمنه هذه الآية، فإنه ذَكَر النعمةَ فأضافها إليه - ولم يَحذِف فاعلَها -، ولمّا ذكرَ الغضبَ حَذَف الفاعلَ؛ وبنى الفعلَ للمفعول، فقال: {المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وقال في الإحسان: {الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .

ونظيرُه: قولُ إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (الشعراء: 78 - 80) فنسب الخلقَ والهدايةَ والإحسانَ بالطعام والسقيَ إلى الله تعالى، ولَمّا جاء إلى ذِكْرِ المرض قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ} ؛ ولم يقل: أمرضني، وقال: {فَهُوَ يَشْفِينِ} .

(1) وإنْ كان الانتقام قد يكون من لوازم الغضب أحيانًا، فالله تعالى يوصف بالانتقام من المجرمين، كما في قوله تعالى {إِنَّا مِنَ المُجْرِمِيْنَ مُنتَقِمُوْنَ} (السجدة:22) .

(2) قاله الطبري رحمه الله في التفسير (121/ 13) .

(3) مجموع الفتاوى (159/ 28) .

(4) ضعيف. الترمذي (664) عن أنس مرفوعًا. الإرواء (885) .

قلتُ: ويغني عنه حديث (صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) . صحيح. البيهقي في الشُّعَب (3168) عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. الصحيحة (1908) .

(5) تفسير القرطبي (1/ 150) .

(6) يعني حديث أبي هريرة المرفوع (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأخُذُهَا بِيَمِينِهِ؛ فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ) . وهو صحيح. الترمذي (662) . صحيح الجامع (1902) .

(7) سنن الترمذي (2/ 43) .

(8) قال عنه الحافظ الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء (18/ 153) : (الإمام، العَلَّامة، حافظ المغرب، شيخ الإسلام، أبو عمر؛ يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البَرِّ بن عاصم النمري، الأندلسي، القرطبي، المالكي، صاحب التصانيف الفائقة ....

قال شيخنا أبو عبد الله ابن أبي الفتح: كان أبو عمر أعلمَ مَن بالأندلس في السُّنَن والآثار واختلاف علماء الأمصار ...

قلتُ (الذهبي) : وكان في أصول الديانة على مذهب السلف، لم يدخل في علم الكلام، بل قفا آثار مشايخه رحمهم الله).

(9) التمهيد (145/ 7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت