(فهذه ثلاثة أوصاف لربنا تبارك وتعالى ذكرها مجموعةً في موضع واحد في أوّل القرآن، ثم ذكرها مجموعةً في موضع واحد في آخر ما يطرقُ سمعَك من القرآن.
فينبغي لِمن نصح نفسه أنْ يعتني بهذا الموضوع، ويبذل جهدَه في البحث عنه، ويعلم أنّ العليمَ الخبيرَ لم يجمع بينهما في أوّل القرآن ثم في آخره إلّا لِمَا يَعْلَمُ من شدة حاجة العباد إلى معرفتها، ومعرفة الفرْق بين هذه الصفات، فكل صفة لها معنى غير معنى الأخرى، كما يقال: محمد رسول الله، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم، فكل وصفٍ له معنى غير ذلك الوصف الآخر). (1)
ففي سورة الناس: الربوبية في (رب الناس) ، ثم الملك في (ملك الناس) ، ثم الألوهية في (إله الناس) .
وفي سورة الفاتحة: الألوهية في (الحمد لله) ، ثم الربوبية في (رب العالمين) ، ثم الملك في (مالك يوم الدين) .
وإنْ شئتَ قلتَ - مجاراةً للترتيب في سورة الناس: الربوبية في (رب العالمين) ، ثم الملك في (مالك يوم الدين) ، ثم الألوهية في (إياك نعبد) .
ولتمام الفائدة:
(فقوله تعالى {رَبِّ النَّاسِ} : الذي يُربيهم بقدرته ومشيئته وتدبيره، وهو رب العالمين كلِّهم، والخالق للجميع،
{مَلِكِ النَّاسِ} : أي الذي ينْفُذُ فيهم أمرُه وحكمُه وقضاؤُه ومشيئتُه دون غيره،
{إِلهِ النَّاسِ} : أي معبودهم الحق وملاذهم إذا ضاق بهم الأمر - دون كل شيء سواه -، والإله: المعبود؛ الذي هو المقصود بالإرادات والأعمال كلها). (2)
ثبت في الحديث (ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ، وَيُقَطِّعُهَا آيَةً آيَةً: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، [ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُوْلُ:] {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، [ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُوْلُ:] {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، [ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُوْلُ:] {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ السُّوْرَةِ. وَكَذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ كُلُّهَا؛ يَقِفُ عَلَى رُؤُوْسِ الآي، وَلَا يَصِلُهَا بِمَا بَعْدَهَا) . (1) (2)
قال ابن القيم رحمه الله: (فإذا قال: {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} وقف هنيهة يسيرة ينتظر جوابَ ربه له بقوله:(حمدني عبدي) ، فإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، انتظر الجواب بقوله: (أثنى عليّ عبدي) ، فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} انتظر جوابه: (يُمجِّدُني عبدي) .
فيا لذّة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه: (عبدي) ثلاث مرات.
فوالله؛ لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لاستطيرت فرحًا وسرورًا بقول ربها وفاطرها ومعبودها: (حمدني عبدني، وأثنى عليّ عبدي، ومجَّدَني عبدي) ، ثم يكون لقلبه مجالٌ من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى وهي: الله والرب الرحمن). (3)
(1) تفسير الفاتحة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (ص 42) .
(2) محاسن التأويل (9/ 579) .
(1) علمًا أنّ هذا التقطيع لا يختص بالفاتحة فقط كما تجد في الحديث.
(2) قال الشيخ الألباني رحمه الله في صفة الصلاة (ص 96) - تخريجًا على الحديث: (أبو داود والسهمي(64 - 65) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو مخرج في الإرواء (343) ، ورواه أبو عمرو الداني في المكتفى (3/ 5) وقال: (لهذا الحديث طرق كثيرة، وهو أصل في هذا الباب) ثم قال: (وكان جماعة من القراء السالفين والقراء الماضين يستحبون القطعَ على الآيات؛ وإنْ تعلّق بعضهن ببعض) .
قلتُ (الألباني) : وهذه سُنَّة أعرض عنها جمهورُ القُرَّاء في هذه الأزمان - فضلًا عن غيرهم -).
(3) الصلاة وأحكام تاركها (ص 142) لابن القيم.