قال ابن القيم رحمه الله: (قال بعض الناس في جوابه: إنَّ كلَّ عضو من أعضاء العبد؛ وكلَّ حاسة ظاهرة وباطنة؛ مفتقرةٌ إلى هداية خاصة به، فأتى بصيغة الجمع تنزيلًا لكل عضو من أعضائه منزلة المسترشد الطالب لهداه.
وعرضت هذا الجوابَ على شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - فاستضعفه جدًا، وهو كما قال.
فإنَّ الإنسانَ اسمٌ للجملة لا لكل جزء من أجزائه وعضو من أعضائه! والقائل إذا قال: اغفر لي وارحمني واجبرني واصلحني واهدني؛ سائلٌ من الله ما يحصل لجملته ظاهره وباطنه، فلا يحتاج أنْ يستشعر لكل عضو مسألةً تخصُّه يُفردُ لها لفظة!
فالصواب أنْ يُقال: هذا مطابق لقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (1) ، والإتيان بضمير الجمع في الموضعين أحسن وأفخم، فإنّ المقامَ مقامُ عبودية وافتقار إلى الرب تعالى، وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته، فأتى به بصيغة ضمير الجمع، أي: نحن معاشر عبيدك مُقِرُّون لك بالعبودية.
وهذا كما يقول العبدُ للملك المُعَظَّم شأنُه: نحن عبيدُك، ومماليكُك، وتحت طاعتك، ولا نخالف أمرك، فيكون هذا أحسنُ وأعظمُ موقعًا عند الملك مِن أنْ يقول: أنا عبدك ومملوكك، ولهذا لو قال: أنا وحدي مملوكك استدعى مَقْتَه، فإذا قال: أنا - وكل مَن في البلد - مماليكك وعبيدك وجند لك؛ كان أعظمَ وأفخمَ، لأنّ ذلك يتضمن أنّ عبيدَك كثيرٌ جدًا - وأنا واحد منهم -؛ وكلنا مشتركون في عبوديتك؛ الاستعانة بك وطلب الهداية منك.
فقد تضمن ذلك من الثناء على الرب بسعة مجده وكثرة عبيده وكثرة سائليه الهداية ما لا يتضمنه لفظ الإفراد؛ فتأمله.
وإذا تأملتَ أدعية القرآن رأيتَ عامَّتَها على هذا النمط نحو: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (البقرة:201) ونحو دعاء آخر البقرة، وآخر آل عمران، وأولها، وهو أكثر أدعية القرآن). (2)
(1) سبق بيانُ أوجه جمع الداعي في (نعبد ونستعين) ، وفيها ما يمكن إضافته لِمَا ذكره ابنُ القيم هنا رحمه الله.
(2) بدائع الفوائد (39/ 2) .