والحجة عندهم أنها تشبيه للخالق بالمخلوق! ووصف له بما لا يليق!!
والجواب على ذلك هو من وجهين:
الوجه الأول) أنّ غضبَ الله تعالى لا يماثل غضبَ المخلوقين لا في الحقيقة ولا في الأثر:
1)فمن حيث الحقيقة: غضبُ المخلوقِ هو غليان دم القلب طلبًا للانتقام، وهو جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى يفور، أمَّا غضب الخالق، فإنه صفةٌ لا تُماثل هذا، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ} (الشورى:11) .
2)من حيث الأثر: غضب الآدمي قد يؤثر آثارًا غير محمودة، فقد يقتل المغضوب عليه، وربما يطلق زوجته، أو يكسر الإناء، ونحو ذلك مما ليس له أدنى ارتباط بموضوع الغضب نفسه!
أمّا غضب الله تعالى فلا تترتب عليه إلّا آثارٌ حميدةٌ، فالله تعالى عزيز حكيم. (1)
وتأملِ الاقترانَ بين بعض أسماء الله تعالى كالعزيز الحكيم؛ حيث يتبين لك أنّ الله تعالى لا تُخرجه عزّتُه سبحانه عن حكمتِه؛ بخلاف العزيز من البشر.
الوجه الثاني) يدل على بطلان تأويل صفة الغضب بالانتقام (1) قولُه تعالى {فَلَمَّا آسَفُوْنَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِيْنَ} (الزخرف:55) ، فإنّ معنى {آسَفُوْنَا} أغضبونا (2) ، فجعل الانتقامَ غيرَ الغضبِ، بل أثرًا مترتبًا عليه، فدل هذا على بطلان تفسير الغضب بالانتقام.
ولتمام الفائدة: فإنَّ الغضبَ صفةٌ تدل على القدرة، فليست مذمومةً مطلقًا!
قال شيخُ الإسلام رحمه الله تعالى: (والمؤلمُ إنْ كان مما يمكن دفعُه أثارَ الغضبَ، وإنْ كان ممّا لا يمكن دفعُه أثارَ الحزنَ، ولهذا يحمَر الوجهُ عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرةَ، ويصفر عند الحزن لغَوْر الدم عند استشعار العجز) . (3)
قلتُ: وأمَّا قول القرطبي رحمه الله - وغفر له - في التفسير: (ومعنى الغضب في صفة الله تعالى: إرادةُ العقوبة، فهو صفة ذات - وإرادةُ الله تعالى من صفات ذاته -، أو نفسُ العقوبة، ومنه الحديث:(إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) (4) فهو صفة فعل)!! (5) فمردودٌ، وإنما هو مستقيمٌ على مذهب الأشاعرة في تأويل الصفات الفعلية لله تعالى!
وهذا التأويلُ مخالف لمذهب السلف، حيث أنهم أَجْرَوها على ظاهرها ولم يتأوَّلُوها - أو يُحرِّفُوها -، وإنما أَجْرَوها على ظاهرها ونفوا عنها التمثيل، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيْعُ البَصِيْرُ} (الشورى:11) .
قال الإمامُ الحافظُ أبو عيسى الترمذي رحمه الله: (وقد قال غيرُ واحد من أهل العلم في هذا الحديث(6) وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يُتوهم ولا يُقال: كيف؟
هكذا روي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك؛ أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السُّنَّة والجماعة، وأمَّا الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه!!
وقد ذكر اللهُ عزّ وجلّ في غير موضع من كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهميةُ هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهلُ العلم، وقالوا: إنّ اللهَ لم يخلق آدمَ بيده، وقالوا: إنّ معنى اليد هاهنا القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد؛ أو مثل يد، أو سمع كسمع؛ أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه.
(1) وانظر القول المفيد (1/ 422) لابن عثيمين رحمه الله.