قال ابن القيم رحمه الله: (إنَّ أهلَ الغضب: مَن غضب اللهُ عليهم وأصابهم غضبُه؛ فهم مغضوب عليهم، وأمَّا أهلُ الضلال: فإنهم هم الذين ضلوا وآثروا الضلال واكتسبوه، ولهذا استحقوا العقوبة عليه، ولا يليق أنْ يُقال ولا المُضَلِّين - مبنيًا للمفعول - لِمَا في رائحته من إقامة عُذرهم! وأنهم لم يكتسبوا الضلالَ من أنفسهم! بل فُعِلَ فيهم! ولا حجة في هذا للقدرية، فإنا نقول: إنهم هم الذين ضلوا - وإنْ كان الله أضلهم -، بل فيه ردٌّ على الجبرية الذين لا ينسبون إلى العبد فعلًا إلّا على جهة المجاز لا الحقيقة، فتضمنت الآيةُ الرَّد عليهم، كما تضمّن قولُه {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} الرَّد على القدرية) . (1)
من عدة جهات:
1)أنهم متقدمون عليهم بالزمان.
2)أنهم كانوا هم الذين يَلُون النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم من أهل الكتابين، فإنهم كانوا جيرانه في المدينة، والنصارى كانت ديارهم نائيةً عنه، ولهذا تجد خطابَ اليهود والكلامَ معهم في القرآن الكريم أكثرَ من خطاب النصارى، كما في سورة البقرة والمائدة وآل عمران وغيرها من السُّوَر.
3)أنَّ اليهودَ أغلظُ كفرًا من النصارى، ولهذا كان الغضبُ أخصَّ بهم، واللعنةُ، والعقوبةُ، فإنّ كفرَهم عن عِناد وبغي كما تقدم، فالتحذيرُ من سبيلهم والبعدُ منها أحقُّ وأهمُّ بالتقديم، وليس عقوبةُ مَن جهل كعقوبة من عَلِم.
4)وهو أحسنها؛ أنه تقدم ذكرُ المنعَمِ عليهم، والغضبُ ضد الإنعامِ، والسورة هي السبع المثاني التي يُذكر فيها الشيء ومقابلُه، فذِكْرُ المغضوبِ عليهم مع المنعَمِ عليهم؛ فيه من الازدواج والمقابلة ما ليس في تقديم الضّالين.
فقولك: الناسُ منعَمٌ عليه ومغضوبٌ عليه؛ فكُنْ من المنعَم عليهم؛ أحسن من قولك: منعَمٌ عليه وضالّ.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في التفسير:
(مسألة: والصحيح من مذاهب العلماء؛ أنه يُغتفر الإخلالُ بتحرير ما بين الضاد والظاء لقُرْبِ مَخْرَجيهما؛ وذلك أنَّ الضادَ مخرجُها من أول حافَّة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، ولِأنَّ كلا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة؛ فلهذا كله اغتُفر استعمالُ أحدهما مكانَ الآخر لِمَنْ لا يميز ذلك. والله أعلم.
وأمَّا حديث (أنا أفصحُ من نطق بالضاد) (1) فلا أصل له والله أعلم). (2)
(1) بدائع الفوائد (33/ 2) .
(1) بدائع الفوائد (2/ 33) .
(1) قال الشوكاني رحمه الله في الفوائد المجموعة (ص 327) : (لا أصل له، ومعناه صحيح) .
(2) تفسير ابن كثير (1/ 143) .