فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 115

34 -في قوله تعالى{غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}بيانُ الواجب على أهل الحق: أنه لا بد من الجمع بين العلم النافع، وبين العمل الصالح، وأنْ لا يكون العبدُ كحال من عَلِمَ ولم يعمل! ولا كحال من عمل على غير هدى!

قال ابن كثير رحمه الله: (فإنَّ طريقةَ أهل الإيمان مشتملةٌ على العلم بالحق والعمل به، واليهودُ فقدوا العملَ، والنصارى فقدوا العلمَ، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأنَّ من عَلِمَ وترك استحق الغضبَ، بخلاف مَنْ لم يعلم.

والنصارى لمَّا كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه - وهو اتباع الرسول الحق -؛ ضلوا، وكلٌّ من اليهود والنصارى ضالٌّ مغضوبٌ عليه، لكنَّ أخصَّ أوصاف اليهود الغضبُ، كما قال فيهم: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} (المائدة: 60) وأخصُّ أوصاف النصارى الضَّلالُ كما قال: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل} (المائدة: 77 ) ) . (1)

وفي الحديث (اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضُلاَّلٌ) . (2)

وقال ابن أبي حاتم رحمه الله في تفسيره: (ولا أعلمُ في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين) . (3)

(والضَّلالُ في كلام العرب: هو الذهاب عن سَنَن القَصْد وطريق الحق، ومنه: ضلَّ اللبنُ في الماء أي غاب. ومنه {أَإِذا ضَلَلْنا فِي الأَرْضِ} (السجدة:10) أي: غبنا بالموت وصرنا ترابًا). (4)

قلتُ: ويظهر هنا جليًّا تقديم الترغيب على الترهيب في موضعين:

الأول: في تقديم صفتي {الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ} - في البسملة - على صفة الربوبية في {رَبِّ العَالَمِينَ} .

الثاني: في تكرار صفتي {الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ} - في داخل السورة - مع تقديمها على التخويف في {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .

وقال الشيخ سليمان بن إبراهيم اللاحم حفظه الله: (في تقديم قوله تعالى {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} على قوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} إشارةٌ إلى أنّ رحمتَه تعالى سبقت غضبَه، كما جاء في الحديث(إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي) (1) ، يؤيد ذلك تكرار {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في البسملة والفاتحة.

وهذا مما يبعث في قلب المؤمن الطُمأنينة، فيلهج بالحمد والثناء لربه الرحمن الرحيم.

وعلى هذا فينبغي للعلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله أنْ يُقَدِّمُوا للناس الترغيبَ برحمة الله والتبشير بها قبل الترهيب من عقوبته، بل ينبغي أنْ يُعطى الكلامُ عن رحمة الله عنايةً أكثر، لأنّ رحمتَه تعالى سبقت غضبَه، لكن لا ينسى الترهيبَ من عقوبتِه، ولكل مقامٍ مقالٌ). (2)

(1) تفسير ابن كثير (1/ 141) .

(2) صحيح. الترمذي (2954) عن عدي بن حاتم مرفوعًا. الصحيحة (3263) .

(3) تفسير ابن أبي حاتم (1/ 31) .

(4) تفسير القرطبي (1/ 150) .

(1) صحيح البخاري (7422) عن أبي هريرة مرفوعًا - وهو قدسي -.

(2) اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب (ص 313) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت