أُمُّ الكِتَابِ فَوَائِدُ وَآدَاب
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله.
أمّا بعد
فإنّ أفضلَ الكلامِ كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وعليه فإنّ أنفعَ ما يقوم به العبدُ المسلمُ من العناية هو معرفةُ معاني كلام الله تعالى، ومن ثم العمل بهذا العلم، ومن ثم الدعوة إليه، والصبر على ذلك.
ولا يخفى أنَّ العملَ - عبادةً وسلوكًا - لا يكون مستقيمًا إلَّا بالعلم الصحيح النافع المستقى من الكتاب والسُّنَّة.
وإذا كانت الفاتحةُ أعظمَ سورة في كتاب الله تعالى، بل لم ينزلْ مثلُها في كتاب قطُّ قبل القرآن، بل إنه لا تصح صلاةٌ إلّا بها، فلا بد إذن من العنايةَ بها، فيكون العلمُ بها أمرٌ مُلِحٌّ؛ مهمٌ؛ جليلٌ؛ مطلوبٌ.
ولا يخفى أيضًا أنّ خُشوعَ الجوارح في الصلاة مرتبطٌ بخشوع القلب، والقلبُ محتاج لمعرفة معنى الكلام، فإذا استحضر العبد معنى الفاتحة فتأمَّلَها، وأَعْمَلَ قلبَه وفِكْرَه فيها؛ فتدبَّرَها، فإنه - بإذن الله - يصل إلى خشوع القلب ومن ثم الجوارح.
ولقد(اشتملتْ هذه السورةُ الكريمة - وهي سبع آيات - على حمد الله وتمجيده والثناء عليه، بذِكْرِ أسمائِه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد - وهو يوم الدين -، وعلى إرشاده عبيدَه إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى، وتنزيهه أنْ يكون له شريكٌ أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إيّاه الهداية إلى الصراط المستقيم - وهو الدين القويم -، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
واشتملتْ على الترغيب في الأعمال الصالحة؛ ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل؛ لئلا يُحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون). (1)
وقد قمتُ - مستعينًا بالله تعالى وحده - ومستنيرًا بشروح العلماء؛ بتصنيف شرح عليها، جامع لكثير من الفوائد والمسائل المتعلقة بها، مراعيًا أنْ يكون وجيزًا في عبارته، مع العناية الشديدة بتحقيق الآثار المرفوعة والموقوفة - موضع الاستدلال (2) -؛ والعزو الصحيح ما أمكن في مواطن الاستشهاد والاستئناس.
ولا أدعي لنفسي التفرَّدَ في هذا الشرح، وإنما هو الاعتماد على شروح العلماء الأفاضل - قديمًا وحديثًا -. (3)
على أنني أعتقد أنني - إنْ شاء الله - قد وُفِّقْتُ من الله تعالى في استيعاب فوائدَ ومسائلَ تمسُّ الحاجةُ إليها في هذا الشرح.
ملاحظة: حقوق الطبع والنسخ متاحة لكل مسلم - دعوة وتجارة -؛ بعد الاستئذان من المؤلف - إنْ أمكن -. والله من وراء القصد.
(1) قاله ابن كثير رحمه الله في التفسير (1/ 143) .
(2) معظم تحقيق الحديث في هذا الكتاب هو من مصنفات الإمام المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى.
(3) وأخصُّ بالذكر تفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي، وتفسير السعدي، وكتب ابن القيم عمومًا - رحمهم الله رحمة واسعة بمَنِّه وكرمه -.