فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 115

23 -(فإنْ قيل: كيف يسأل المؤمنُ الهدايةَ في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل؟

الجواب: لا، فإنه لولا احتياج العبد ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لَمَا أرشده اللهُ إلى ذلك؛ فإنَّ العبدَ مفتقرٌ في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصُّرِه، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإنَّ العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلَّا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أنْ يسأله في كل وقت أنْ يُمِدَّهُ بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفَّقه الله تعالى لسؤاله؛ فإنَّه تعالى قد تكَفَّل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ} الآية (النساء: 136) ، فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس في ذلك تحصيل الحاصل! لأنَّ المرادَ الثباتُ والاستمرارُ والمداومةُ على الأعمال المُعِيْنَة على ذلك، والله أعلم). (1)

قال شيخ الإسلام رحمه الله:(ولهذا كان أنفعَ الدعاء وأعظمَه وأحكمَه: دعاءُ الفاتحة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فإنه إذا هداه هذا الصراط: أعانه على طاعته وترْك معصيته، فلم يصبْه شرٌّ - لا في الدنيا ولا في الآخرة -.

لكنَّ الذنوبَ هي من لوازم نفسِ الإنسان، وهو محتاج إلى الهُدى في كل لحظة، وهو إلى الهُدى أحوجُ منه إلى الأكل والشرب، ليس كما يقوله طائفة من المفسرين: إنه قد هداه؛ فلماذا يسأل الهدى؟؟ وأنّ المرادَ بسؤال الهدى: الثباتُ أو مزيدُ الهداية!!

بل العبدُ محتاجٌ إلى أنْ يعلِّمَه ربُّه ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتولد من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أنْ يُلهَم أنْ يعملَ ذلك.

فإنه لا يكفي مجردُ علمِه - إنْ لم يجعله اللهُ مريدًا للعمل بعلمه -، وإلّا كان العلمُ حجةً عليه، ولم يكن مهتديًا!!

والعبدُ محتاجٌ إلى أنْ يجعله اللهُ قادرًا على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فإنه لا يكون مهتديًا إلى الصراط المستقيم - صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - إلّا بهذه العلوم والإرادات والقدرة على ذلك.

ويدخل في ذلك من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤُه.

ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفَرْط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوجَ منهم إلى هذا الدعاء، وإنما يعرف بعض قدْر هذا الدعاء مَن اعتبر أحوالَ نفسه ونفوسِ الإنس والجن والمأمورين بهذا الدعاء، ورأى ما في النفوس من الجهل والظلم الذي يقتضي شقاءَها في الدنيا والآخرة، فيَعْلَم أنّ اللهَ - بفضله ورحمته - جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير؛ المانعة من الشر) . (2)

(1) تفسير ابن كثير (1/ 139) .

(2) مجموع الفتاوى (14/ 320) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت