فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 115

الوقفة الأولى: الصراط - لغة: هو الطريق السهل (1) ، والسبيل الواضح. (2)

فـ (الطريق هو كل ما يطرقه طارقٌ - معتادًا كان أو غير معتادٍ -، والسبيل من الطرق ما هو مُعتادُ السلوكِ، والصراط من السبيل ما لا التواء فيه ولا اعوجاج، بل يكون على سبيل القَصْدِ(3) فهو أخصُّ منها). (4)

وتأملْ كيف وصف اللهُ تعالى سبيلَه بالصراط، وسمى ما عداه سُبلًا، فقال سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام: 153) .

وقال الإمامُ ابن جرير الطبري رحمه الله في التفسير: (أجمعت الأمَّةُ من أهل التأويل جميعًا على أنَّ الصراطَ المستقيمَ هو الطريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب) . (5)

قال ابن القيم رحمه الله:(والصراط: ما جمع خمسةَ أوصاف: أنْ يكون طريقًا مستقيمًا؛ سهلًا؛ مسلوكًا؛ واسعًا؛ موصلًا إلى المقصود.

فلا تُسمي العربُ الطريقَ المُعْوَجَّ صراطًا، ولا الصعبَ المشق، ولا المسدود غير الموصول.

ومَن تأملَ مواردَ الصراط في لسانهم واستعمالهم تبيّن له ذلك). (6)

وقال أيضًا رحمه الله - في موضع آخر:(ولا تكون الطريق صراطًا حتى تتضمن خمسةَ أمور: الاستقامةَ، والإيصالَ إلى المقصود، والقُرْبَ، وسعتَه للمارّين عليه، وتعينَه طريقًا للمقصود.

ولا يخفى تضمُّنَ الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة.

فوصفُه بالاستقامة يتضمن قربَه، لأنّ الخطَ المستقيم هو أقربُ خط فاصل بين نقطتين، وكلما تعوّج طالَ وبَعُدَ، واستقامتُه تتضمن إيصالَه إلى المقصود، ونصبُه لجميع مَن يمُرُّ عليه يستلزمُ سعتَه، وإضافتُه إلى المنعَم عليهم ووصفَه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال؛ يستلزم تعيُّنَه طريقًا). (7)

قلتُ: وفي قوله تعالى {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} أنَّه يمكن استعمال لفظ (الصراط) لغير الاستقامة والوضوح من باب المشاكلة والمقابلة، والله أعلم.

قال الطبري رحمه الله: (ثم تستعيرُ العربُ(الصراطَ) فتستعمله في كل قولٍ وعمل وُصِف باستقامة أو اعوجاج، فتصفُ المستقيمَ باستقامته، والمعوجَّ باعوجاجه). (8)

(1) والطريق عمومًا لا يقتضي السهولة. انظر الفروق اللغوية للعسكري (298/ 1) .

وقال في القاموس المحيط (ص 675) : (الصِّراطُ - بالكَسْر: الطريقُ، وجِسْرٌ مَمْدُودٌ على متْنِ جَهَنَّمَ) .

(2) لسان العرب (7/ 313) .

(3) وتأملْ قولَه تعالى {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} (النحل:9) .

قال الطبري رحمه الله في التفسير (17/ 174) : (يقول تعالى ذكرُه: وعلى الله - أيها الناس - بيانُ طريقِ الحقِّ لكم، فمَنِ اهتدى فلنفسه، ومَنْ ضلّ؛ فإنما يضلّ عليها، والسبيلُ: هي الطريقُ، والقصدُ من الطريق: المستقيمُ الذي لا اعوجاج فيه) .

(4) الكليات لأبي البقاء الكفوي (ص 513) رحمه الله، (ف 1094 هـ) .

(5) تفسير الطبري (1/ 170) .

(6) بدائع الفوائد (2/ 16) .

(7) مدارج السالكين (1/ 33) .

(8) تفسير الطبري (1/ 171) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت