قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في تفسيره لسورة الفاتحة: (وسورةُ الفاتحةِ تضمَّنت التَّعريفَ بالرَّبِّ سبحانه بثلاثة أسماءٍ - ترجِعُ سائرُ الأسماءِ إليها -، وهي:(اللهُ) وَ (الرَّبُّ) و (الرَّحمنُ) ، وبُنيَتِ السُّورةُ على الإِلهيَّة والرُّبوبيَّة والرَّحمة؛ فـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مَبْنيٌّ على الإِلهيَّة، و {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} مَبْنيٌّ على الرُّبوبيَّة، وطلبُ الهداية إلى صراطِه المستقيمِ مَبْنيٌّ على الرَّحمةِ). (1)
1)اسم (الله) : يعني المعبود. (2)
قال في القاموس المحيط: (أَلَهَ إِلَاهَةً وَأُلُوْهَةً وَأُلُوْهِيَّةً: عَبَدَ عِبَادَةً، وَمِنْهُ لَفْظُ الجَلَالَةِ) . (3)
وقال في لسان العرب: (( ألَهَ) الإلَهُ: اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وكُلُّ مَا اتُخِذَ مِنْ دُوْنِهِ مَعْبُوْدًا؛ إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وَالجَمْعُ آلِهَةٌ، وَالآلِهَةُ: الأَصْنَامُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِم أَنَّ العِبَادَةَ تَحُقُّ لَهَا، وَأَسْمَاؤُهُم تَتْبَعُ اعْتِقَادَاتِهِم لَا مَا عَلَيْهِ الشَّيْءُ فِي نَفْسِهِ). (4)
قلتُ: أمَّا قولُه تعالى {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} (الأنعام: من الآية 3) ؛ وقولُه تعالى {وَهُوَ الَّذِيْ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الحَكِيْمُ العَلِيْمُ} (الزخرف:84) فالمراد بذلك: الألوهيةُ؛ لا ذاتُ الرب عزّ وجلّ، فألوهيتُهُ ثابتةٌ في السماء وفي الأرض.
قال الإمامُ الطبري رحمه الله في التفسير: {وقوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ} يقول تعالى ذكرُه: والله الذي له الألوهةُ في السماء: معبودٌ؛ وفي الأرض: معبودٌ كما هو في السماء معبودٌ، لا شيء سواه تصلح عبادتُه؛ يقول تعالى ذكرُه: فأفرِدوا لِمَنْ هذه صفته العبادةَ، ولا تشركوا به شيئًا غيره، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) . (5)
و (هذا الاسمُ أكبرُ أسمائه سبحانه وأجمعُها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسمَّ به غيرُه، لذلك لم يُثَنَّ ولم يجمع) . (6)
وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّه اسم مشتق - ليس بجامد -، فقالوا: أصله (إِلَاه) ، مثل (فِعَال) ، فأُدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة، مثل (الناس) أصله (أناس) .
وقيل: أصل الكلمة (لَاهٌ) وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم.
وقيل: أصله (وَلَهَ) : إذا تحيَّر، والوَلَهُ: ذهاب العقل، فالله سبحانه تتحيَّرُ الألبابُ وتذهب في حقائق صفاته والفكرِ في معرفته، وذكروا غير ذلك.
ومن أهل العلم من ذهب إلى أنَّه اسم جامد - ليس بمشتق -، فقالوا: إنَّ الألفَ واللامَ لازمةٌ له وليست للتعريف أصلًا، والدليل أنك لا تقول: يا الرحمن، ولا: يا الرحيم؛ كما تقول: يا الله! فدل على أنَّ الألف واللام من بُنيَة الاسم. والله أعلم. (7)
(1) تفسير سورة الفاتحة (ص 19) لابن رجب الحنبلي رحمه الله.
(2) تفسير الطبري (1/ 133) .
(3) القاموس المحيط (ص 1242) .
(4) لسان العرب (467/ 13) .
(5) تفسير الطبري (21/ 652) .
(6) تفسير القرطبي (1/ 102) .
(7) انظر تفسير القرطبي (1/ 102) .