2)اسمي (الرحمن) و (الرحيم) : سبق الكلامُ عليهما، وسيأتي مزيدُ بيان عند التفريق بينهما.
إلَّا أنَّ هناك نكتةٌ في اسم (الرحيم) وهي أنَّها مبالغة من اسم الفاعل بمعنى الصفة المشبهة، وتجد كثيرًا من أوزان صفات الله تعالى من هذا النوع، وفائدة ذلك - من جهة المعنى - أنَّ اسمَ الفاعل يدل على مَن قام به الفعلُ على وجه الحدوث والتجدد، والصفة المشبهة باسم الفاعل تدل على مَن قام به الفعل على وجه الثبوت.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (الفرقُ بين الصفة المشبهة واسم الفاعل: أنَّ اسمَ الفاعل طارئٌ حادثٌ يمكن زواله، والصفةُ المشبهة لازمةٌ لا ينفك عنها الموصوفُ) . (1)
وقد أنكر المشركون اسمَ الرحمن لله سبحانه؛ كما في قوله تعالى {وَإِذَا قِيْلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوْرًا} (الفُرْقَان:60) .
وهذا الإنكارُ منهم إنما هو من باب الجحود وليس الجهل! كما في قوله تعالى {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُوْنَ} (يس:15) .
وقد وردت أشعارٌ من أشعار الجاهلية أيضًا فيها ذكر الرحمن والإقرار به وتسميته سبحانه به، كما في شعر امرئ القيس (2) :
(تِلْكَ السَّحَابُ إِذَا الرَّحْمَنُ أَنْشَأَهَا ... رَوَّى بِهَا مِنْ مَحُوْلِ الأَرْضِ أَنْفَاسًا) . (3)
قال الطبري رحمه الله في تفسيره: (وقد زعم بعضُ أهل الغباء أنَّ العرب كانت لا تعرف(الرحمن) ، ولم يكن ذلك في لغتها). (4)
ولتمام الفائدة: ستأتي معنا مسألةٌ في الرد على من نفى صفة الرحمة لله تعالى؛ فأوَّلها إلى إرادة الرضا! أو إلى أثرها من الإنعام والإحسان إلى المخلوق!
3)اسم (الرب) : المالك والمتصرف والمُدَبِّر والسيد، ويطلق على المربي وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حقِّ الله تعالى.
(فعلى أنه مُدَبِّرٌ لخلقه ومربيهم يكون صفةَ فعل، وعلى أنَّ الرب بمعنى المالك والسيد يكون صفة ذات) . (1)
ولا يستعمل (الرب) بهيئة الإطلاق لغير الله، وإنما بالإضافة، فتقول: رب الدار، رب كذا، وأمَّا الرب - هكذا بالإطلاق - فلا يقال إلّا لله عزّ وجلّ، ويمكن القولُ أيضًا أنَّ الإضافة لا تخلو من نوع كراهة.
ففي الحديث عن أبي هريرة مرفوعًا (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ؛ وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ(2) ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي؛ وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي). (3)
(1) شرح العقيدة الواسطية (ص 173) ، وانظر أيضًا أضواء البيان (28/ 6) .
(2) (توفي 80 ق. هـ) .
(3) (المَحْلُ) : الجوع الشديد. لسان العرب (616/ 11) .
(4) تفسير الطبري (131/ 1) .