قال الحافظ العراقي رحمه الله: (هذا النهي على التنزيه دون التحريم، وقد حمله على ذلك جميعُ العلماء - حتى أهل الظاهر -، وأشار إلى ذلك البخاري في صحيحه فبوَّب:(باب كراهية التطاول على الرقيق ) ) . (4)
وأمَّا وجه الكراهة في إطلاقها؛ فقال ابنُ بطال رحمه الله: (وأمَّا الرب فهي كلمة - وإنْ كانت مشتركة؛ وتقع على غير الخالق؛ لقولهم(رب الدابة ورب الدار) ويُراد صاحبَها - فإنها لفظةٌ تختص بالله عزّ وجلّ في الأغلب والأكثر، فوجب ألّا يُستعمل في المخلوقين لنفي الله عزّ وجلّ الشركة بينهم وبين الله، إلا أنه لا يجوز أنْ يُقال لأحد غير الله إله ولا رحمن!! ويجوز أنْ يقال: رحيم؛ لاختصاص الله بهذه الأسماء، فكذلك الرب لا يقال لغير الله). (5)
واللهُ سبحانه وتعالى منفردٌ بالربوبية (6) ، وأصول الربوبية ثلاثة: الخلق والملك والتدبير.
قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُوْلُوْنَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُوْنَ، فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُوْنَ} (يونس:31 - 32) .
ولتمام الفائدة: فإنَّ المشركين الأوائلَ لم يكن شركهم هو باعتقاد خالق أو رازق أو نافع أو ضارّ مع الله تعالى - كما يظن ذلك بعضُ من لم يتفقه بالقرآن -!!
وإنما كان شركُهم هو باتخاذ الوسائط والشفعاء بينهم وبين الله تعالى؛ حيث تعلّقوا بهم فدعوهم واستغاثوا بهم.
قال الإمام أبو عبد الله؛ ابنُ بطَّةَ العُكْبُرِيُّ رحمه الله في كتابه الجليل (الإبانة الكبرى) : (وذلك أنَّ أصلَ الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقادُه في إثبات الإيمان به ثلاثةُ أشياء:
أحدها: أنْ يعتقدَ العبد آنيَّتَهُ (7) ؛ ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.
الثاني: أنْ يعتقدَ وحدانيَّتَه، ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقرّوا بالصانع؛ وأشركوا معه في العبادة غيره.
والثالث: أنْ يعتقدَه موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلَّا أنْ يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه، إذ قد علمنا أنَّ كثيرًا ممن يُقِرُّ به ويوحّده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته؛ فيكون إلحادُه في صفاته قادحًا في توحيده، ولأنَّا نجدُ اللهَ تعالى قد خاطب عبادَه بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة في هذه الثلاث والإيمان بها). (8)
(1) تفسير القرطبي (1/ 137) .
(2) في أحد ألفاظ صحيح مسلم جاء النهي عن أنْ يقول: (مولاي) ، فقال فيه: (لَا تَقُوْلُوا مَوْلَايَ؛ فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ) - مع أنه ورد جوازُه عنده في لفظ آخر -! وهذا اللفظ - لفظ مولاي- أعلَّه بعضُ أهل العلم بأنه نُقِلَ بالمعنى، فهو شاذ من جهة اللفظ، ومعارض لهذا الحديث الذي هو نصٌّ في إجازة ذلك، فالصحيح جوازُ إطلاق لفظ (مولاي) . انظر كتاب (طرح التثريب) (222/ 6) للحافظ العراقي رحمه الله.
(3) البخاري (2552) ، ومسلم (2249) .
(4) طرح التثريب (223/ 6) .
قلتُ: وأيضًا حمل بعضُ أهل العلم النهيَ على ما كان بلفظ الخطاب، وأجاز ما كان بلفظ الغيبة، ولكن ما أثبتناه أولى من جهة الجمع. والله تعالى أعلم.
(5) شرح البخاري لابن بطال (68/ 7) .
(6) وأنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
(7) أي إثبات وجود الرب تبارك وتعالى.
(8) الإبانة الكبرى لابن بطة (6/ 172) .