فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 115

18 -فوائدُ في قوله تعالى{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ}.

-إنّ تقديمَ العبادة على الاستعانة هو من باب تقديم العام على الخاص، واهتمامًا بتقديم حقه تعالى على حق عبده. (1)

-ذُكِرَتْ الاستعانةُ بعد العبادة - مع دخولها فيها -؛ لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إنْ لم يُعِنْهُ اللهُ؛ لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي. (2)

- {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} : أيّ: لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ، إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية لا لغيرك.

والعبوديةَ - عندَ جميع العرب - أصلُها الذلّةُ، وهي تُسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدامُ وذلّلته السابلةُ: مُعبَّدًا. (3)

- {إِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ} : أيْ: وإيّاك ربَّنا نستعين على عبادتنا إيّاك؛ وطاعتنا لك؛ وفي أمورنا كلها - لا أحدًا سواك -. (4)

وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعي التوحيد، وهما توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية.

-وقد تضمنت الآيةُ التعبدَ باسم الرب واسم الله، فهو يُعبد بألوهيته، ويُستعان بربوبيته، ويهدي إلى الصراط المستقيم برحمته. (5)

-قُدِّمَ المفعولُ وهو {إِيَّاكَ} وكرَّره للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلّا إيّاك، ولا نتوكل إلّا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، فالدين يرجع كلُّه إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سرُّ القرآن، وسرُّها هذه الكلمة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ} فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عزّ وجلّ. (6)

قال أبو البقاء الكفوي في (الكليات) : (تقديم ما حقه التأخير؛ يفيدُ الحصر) . (7)

-تحوَّلَ الكلامُ من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب: للمناسبة، لأنه لَمَّا أثنى على الله؛ فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فأولُ السورة خبرٌ من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، ثم إرشادٌ لعباده بأنّ يُثنوا عليه بذلك. (8)

-من لطائف هذا الدعاء أنه هو نفسَه كلامُ الله تعالى، فأنت تدعو بكلام الله وليس بكلام البشر. (9)

-قولك {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يدفع الرياء، وقولك {إِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ} يدفع الكبرياء. (10)

-هذه الآية - على قصرها - جمعت بين أجلّ الغايات، وبين أفضل الوسائل، (فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ففيها سرُّ الخَلْق والأمر والدنيا والآخرة، وهي متضمنة لأجل الغايات وأفضل الوسائل، فأجلُّ الغايات عبوديتُه، وأفضل الوسائل إعانتُه، فلا معبود يستحق العبادة إلّا هو، ولا مُعين على عبادته غيرُه، فعبادتُه أعلى الغايات، وإعانتُه أجلُّ الوسائل) . (11)

(1) تفسير السعدي (ص 39) .

(2) تفسير السعدي (ص 39) .

(3) تفسير الطبري (1/ 157) .

(4) تفسير الطبري (1/ 161) .

(5) الصلاة وأحكام تاركها (ص 144) لابن القيم رحمه الله.

(6) تفسير ابن كثير (1/ 134) .

(7) الكليات (ص 1065) .

(8) تفسير ابن كثير (1/ 135) .

(9) تفسير القرطبي (1/ 147) .

(10) رسالة (تحريك الجَنَان لتدبر وتوقير أُمّ القرآن) (ص 11) للدكتور عصام بن صالح العويد - جزاه الله خيرًا -.

(11) الصلاة وأحكام تاركها (ص 144) لابن القيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت