(( الرحمن) : أي: ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاءت على وزن (فَعْلَان) الذي يدل على السَّعة، و (الرحيم) : أي المُوصل الرحمة لمن يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن (فَعِيْل) الدال على وقوع الفعل.
فهنا رحمةٌ هي صفته؛ هذه دلّ عليها (الرحمن) ، ورحمةٌ هي فِعْلُهُ - أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم -؛ دلَّ عليها (الرحيم ) ) . (1)
4 - {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} المالك: هو من اتصف بصفة الملك، والتي من آثارها أنه يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات.
وأضاف الملكَ ليوم الدين - وهو يوم القيامة، يوم يدان الناسُ فيه بأعمالهم خيرها وشرها - لأنّ في ذلك اليوم يظهر للخلق تمامَ الظهور كمالُ ملكِه وعدلِه وحكمتِه وانقطاعُ أملاك الخلائق، حتى يستوي في ذلك اليوم الملوكُ والرعايا والعبيدُ والأحرارُ.
كلهم مذعنون لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابَه، خائفون من عقابه، فلذلك خصَّه بالذكر، وإلَّا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام، ففي الدنيا كان هناك من ينازع في مُلْكِه سبحانه، مثل فرعون ونمرود وغيرهما، وأمَّا في ذلك اليوم فلا ينازعُه أحدٌ في مُلْكِه، وكلهم خضعوا له، كما قال تعالى: {لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ} (غافر:16) ؛ فأجاب جميعُ الخلق: {لِلَّهِ الواحِدِ القَهَّارِ} (2) ، وكما وصف اللهُ تعالى ذلك اليوم فقال: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} (الانفطار:19) .
وفي قراءة المسلم لهذه الآية في كل ركعة من صلواته تذكيرٌ له باليوم الآخر، وحثٌّ له على الاستعداد بالعمل الصالح، والكفّ عن المعاصي والسيئات.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (قرأ بعض القرّاء: {مَلِك يَوْمِ الدِّينِ} وقرأ آخرون: {مَالِكِ} ، وكلاهما صحيح متواتر في السبع.
ويقال: (مليك) أيضًا، وأشبعَ نافعُ كسرةَ الكاف فقرأ: (ملكي يوم الدين) وقد رجح كلا من القراءتين مُرَجِّحُون من حيث المعنى، وكلاهما صحيحة حسنة، ورجح الزمخشري (مَلِكِ) ؛ لأنها قراءةُ أهل الحرمين، ولقوله: {لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ} وقوله: {قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلْكُ} وحُكي عن أبي حنيفة أنه قرأ (مَلَكَ يومَ الدِّينِ) على أنه فعل وفاعل ومفعول، وهذا شاذ غريب جدًا). (3)
(1) تفسير سورتي الفاتحة والبقرة (5/ 1) لابن العثيمين رحمه الله.
(2) انظر تفسير القرطبي (1/ 143) .
(3) تفسير ابن كثير (1/ 133) .
ملاحظة: ينبغي التّنبّه أنّ في بعض نسخ التفسير المُعدة للبرنامج الحاسوبي (المكتبة الشاملة) زياداتٌ في ضبط الشكل غير موجودة في الأصل المطبوع، وتحتاج لضبط وتوثيق.