فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 115

-الوجه الأول: (( الرحمن) : أي: ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاءت على وزن (فَعْلَان) الذي يدل على السَّعة، و (الرحيم) : أي المُوصل الرحمة لمن يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن (فَعِيْل) الدال على وقوع الفعل.

فهنا رحمةٌ هي صفته؛ هذه دلّ عليها (الرحمن) ، ورحمةٌ هي فِعْلُهُ - أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم -؛ دلَّ عليها (الرحيم ) ) . (1)

وقال القرطبي رحمه الله في اسم (الرحمن) : (ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يُثَنَّى ولا يُجمع كما يُثَنَّى(الرحيم) ويُجْمَع). (2)

وقال ابن القيم رحمه الله: (فـ(الرحمن) : الذي الرحمةُ وصفُه، و (الرحيم) : الراحمُ لعباده. ولهذا يقول تعالى: {وَكَانَ بِالمُؤْمِنِيْنَ رَحِيْمًا} (الأحزاب:43) ، وكقوله تعالى {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوْفٌ رَحِيْمٌ} (التوبة:117) ، ولم يجئ رحمن بعباده ولا رحمن بالمؤمنين؛ مع ما في اسم الرحمن - الذي هو على وزن فعلان - من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه الموصوف به، ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبًا؛ وندمان وحيران وسكران ولهفان لِمَنْ مُلِئَ بذلك! فبناء (فَعْلَان) للسَّعة والشمول، ولهذا يُقْرَنُ استواءُه على العرش بهذا الاسم كثيرًا كقوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} (طه:5) ، فاستوى على عرشه باسم الرحمن؛ لأنّ العرش محيط بالمخلوقات قد وَسِعَهَا، والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} (الأعراف:156 ) ) . (3)

قلتُ: وأمَّا مَنْ جعل اسمَ الرحمن يشمل الرحمة العامة لجميع الخلق - بَرِّهم وفاجرهم -؛ واسمَ الرحيم يختص برحمة المؤمنين فقط (4) ! فغير سديد، وذلك لأنَّ اللهَ تعالى علَّقَ اسمَه (الرحيم) أيضًا بعموم الناس في الدنيا، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} (الحج:65) .

والقصد هنا عدم صحة تخصيص اسم الرحيم - في الدنيا - برحمة المؤمنين دون الكفار!

وقد صحَّ في الحديث (رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، تُعْطِيْهِمَا مَنْ تَشَاءُ، وتَمْنَعُ مِنْهُمَا مَنْ تَشَاءُ، ارْحَمْنِي رَحْمَةً تُغْنِيني بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ) (5) ، حيث جعلَ وصفَ الرحيم متعلقًا أيضًا بالدنيا؛ فتأملْ.

وأمَّا حديث (اللَّهُمَّ كَاشِفَ الهَمِّ، وَمُفَرِّجَ الغَمِّ، مُجِيبَ دَعْوَةِ المُضْطَرِّ إِذَا دَعَاكَ، رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، أَنْتَ رَحِيْمُهُمَا) فلا يصح. (6)

وكذا حديث (إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالَ: الرَّحْمَنُ: رَحْمَنُ الآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَالرَّحِيمُ: رَحِيمُ الآخِرَةِ) لا يصح. (7)

وكذا أثر ابنِ عباس رضي الله عنه (الرَّحْمَنُ: الفَعْلَانُ، مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ العَرَبِ. قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} : الرَّقِيقُ الرَّفِيقُ بِمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَالبَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعَنِّفَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا) لا يصح. (8)

إلّا أنّه لا بد من العلم أنّ رحمةَ الله تعالى منها: رحمةٌ عامة لجميع الخلق، ومنها رحمة خاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة - زيادة على الرحمة العامة -، وتأملْ قولَه تعالى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} (الأعراف:156) .

-الوجه الثاني: ممَّا يُفَرَّقُ به بين الاسمين: (أنَّ(فعلان) لا يقع إلَّا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان- للممتلئ غضبًا -، و (فعيل) قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول.

قال عملّس (9) :

فَأَمَّا إِذَا عَضَّتْ بِكَ الحَرْبُ عَضَّةً ... فَإِنَّكَ مَعْطُوفٌ عَلَيْكَ رَحِيم

فـ (الرحمن) خاصُّ الاسم؛ عامُّ الفعل، و (الرحيم) عامُّ الاسم؛ خاص الفعل. هذا قول الجمهور). (10)

وخلاصة ذلك: أنَّ اسم (الرحيم) قد يأتي بمعنى المرحوم - كما في البيت السابق -، ويأتي أيضًا بمعنى الراحم.

-الوجه الثالث: أنَّ اسمَ (الرحمن) لا يجوز التسمي به مطلقًا لغير الله تعالى، خلافًا لاسم (الرحيم) فيجوز.

قال القرطبي رحمه الله: (أكثرُ العلماء على أنَّ(الرحمن) مختصٌّ بالله عزَّ وجلَّ، لا يجوز أنْ يُسمَّى به غيرُه، أَلَا تراه قال: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى} (الإسراء:110) فعادلَ الاسمَ الذي لا يشركه فيه غيرُه؟!

وقال: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} (الزخرف: 45) فأخبر أنَّ (الرحمن) هو المستحق للعبادة جلَّ وعزَّ). (11)

(ومن الشّاذّ ما روي عن المُبَرِّد وثعلب أنّ الرحمن عبراني؛ والرحيم عربي! وقد ضعفه ابنُ الأنباري والزَّجَّاج وغيرهما، وقد وُجِد في اللسان العبراني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت