الوقفة الثانية: الصراط - شرعًا: تنوَّعتْ عباراتُ السلف في بيان ما المقصود بالصراط هنا (1) .
فقال عليٌّ رضي الله عنه: (الصِّراطُ المستقيم: كتاب الله تعالى ذكرُه) ، - وكذا عن ابن مسعود رضي الله عنه -.
وقال جابر: ( {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} قال: الإسلام، قال: هو أوسع ممّا بين السماء والأرض) - وكذا عن ابن عباس وغيرهم-.
وقال ابن عباس: ( {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} قال: الطريق) .
وقال الحسن وأبو العالية: (هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وصاحباه من بعدِه: أبو بكر وعمر) .
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في التفسير:(والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي - أعني: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ} -؛ أنْ يكونا معنيًّا به: وَفّقنا للثبات على ما ارتضيتَه ووَفّقتَ له مَنْ أنعمتَ عليه من عبادِك من قولٍ وعملٍ، وذلك هو الصِّراط المستقيم.
لأنَّ مَنْ وُفّقَ لِمَا وُفِّقَ له مَنْ أنعم اللهُ عليه من النبيِّين والصديقين والشهداء؛ فقد وُفِّقَ للإسلام وتصديقِ الرسلِ والتمسكِ بالكتاب والعملِ بما أمر الله به والانزجارِ عمّا زَجره عنه واتّباعِ منهج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومنهاجِ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وكلِّ عبدٍ لله صالحٍ، وكلُّ ذلك من الصراط المستقيم، وقد اختلفتْ تراجمةُ القرآن في المعنيِّ بالصراط المستقيم، يشمل معاني جميعِهم في ذلك ما اخترنا مِنَ التأويل فيه) . (2)
قلتُ: وجاء في حديث النَّواس بن سمعان مرفوعًا وصفُ الصراط بأنه هو الإسلام، فقال صلّى الله عليه وسلّم:(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ - فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ -، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ؛ قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ،
وَالصِّرَاطُ: الإِسْلَامُ،
وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللَّهِ،
وَالأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللَّهِ،
وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللَّهِ،
وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ). (3)
ويُرجِع ابنُ القيم رحمه الله معنى الصراط المستقيم إلى شهادة أنْ لا إله إلا الله؛ وأنّ محمدًا رسول الله، وهذا لا يخرج عمَّا سلف.
قال رحمه الله في بدائع الفوائد:(ونكتةُ ذلك وعقدُه: أنْ تحبه بقلبك كله، وترضيه بجهدك كله.
فلا يكون في قلبك موضعٌ إلّا معمور بحبه، ولا تكون لك إرادةٌ إلا متعلقة بمرضاته.
والأول: يحصل بالتحقيق بشهادة أنْ لا إله إلا الله.
والثاني: يحصل بالتحقيق بشهادة أنّ محمدًا رسول الله.
وهذا هو الهدى ودين الحق، وهو: معرفة الحق، والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسلَه والقيام به.
فقل ما شئت من العبارات - التي هذا أحسنها وقطب رحاها -، وهي معنى قول من قال: علوم وأعمال ظاهرة وباطنة مستفادة من مشكاة النبوة، ومعنى قول من قال: متابعة رسول الله ظاهرًا وباطنًا؛ علمًا وعملًا، ومعنى قول من قال: الإقرار لله بالوحدانية والاستقامة على أمره.
وأمَّا ما عدا هذا من الأقوال كقول من قال: الصلوات الخمس، وقول من قال: حبُّ أبي بكر وعمر، وقول من قال: هو أركان الإسلام الخمس التي بُني عليها؛ فكل هذه الأقوال تمثيلٌ وتنويعٌ لا تفسير مطابق له! بل هي جزء من أجزائه، وحقيقتُه الجامعةُ ما تقدم. والله أعلم). (4)
(1) تفسير الطبري (1/ 171) .
(2) نقلًا من تفسير الطبري (1/ 171 - 176) بحذف يسير.
(3) صحيح. مسند أحمد (17634) . صحيح الجامع (3887) .
(4) بدائع الفوائد (40/ 2) .