فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 115

ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} (الجن:10) فنسبوا إرادةَ الرَّشد إلى الرب، وحذفوا فاعل إرادة الشر وبنوا الفعل للمفعول.

ومنه قول الخضر عليه الصّلاة والسّلام في السفينة {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} (الكهف:79) فأضاف العيبَ إلى نفسه، وقال في الغلامين: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} (الكهف:82) .

ومنه قوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (البقرة:187) فحذف الفاعل وبناه للمفعول، وقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة:275) لأنّ في ذكر الرَّفث ما يحسن منه أنْ لا يقترن بالتصريح بالفاعل.

ومنه {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ} (المائدة:3) ، وقوله {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الأنعام:151) إلى آخرها.

ومنه - وهو ألطفُ من هذا وأدقُّ معنىً - قوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} (النساء:23) إلى آخرها، ثم قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (1) .

وتأملْ قولَه {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} (النساء:160) كيف صرَّح بفاعل التحريم في هذا الموضع؛ وقال في حق المؤمنين: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ} (المائدة:3) .

الفائدة الثانية: أنّ الإنعامَ بالهداية يستوجب شُكْرَ المنعِم بها، وأصلُ الشكر ذِكْرُ المنعِم والعملُ بطاعته، وكان مِن شُكْرِه إبرازُ الضمير المتضمن لذكره تعالى - الذي هو أساس الشكر -، وكان في قوله {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مِن ذِكْرِه وإضافتِه النعمة إليه ما ليس في ذكر (المنعَم عليهم) لو قاله.

فضمّن هذا اللفظَ الأصلين، وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} (البقرة:152) .

الفائدة الثالثة: أنّ النعمةَ بالهداية إلى الصراط؛ لله وحده، وهو المنعِم بالهداية دون أنْ يشركه أحدٌ في نعمته، فاقتضى اختصاصُه بها أنْ يُضاف إليه بوصف الإفراد فيقال: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ، أي أنت وحدَك المنعِم المحسِن المتفضِل بهذه النعمة، وأمَّا الغضبُ فإنّ اللهَ سبحانه غَضِبَ على مَن لم يكن من أهل الهداية إلى هذا الصراط؛ وأمر عبادَه المؤمنين بمعاداتهم، وذلك يستلزم غضبَهم عليهم - موافقةً لغضب ربهم عليهم -، فموافقته تعالى تقتضي أنْ يغضب على من غَضب عليه، ويرضى عمّن رضي عنه؛ فيغضب لغضبه ويرضى لرضاه.

وهذا حقيقةُ العبودية، واليهودُ قد غضب الله عليهم، فحقيقٌ بالمؤمنين الغضبُ عليهم، فحذف فاعلَ الغضب وقال: {المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} لمّا كان للمؤمنين نصيبٌ من غضبهم على مَن غضب اللهُ عليه، بخلاف الإنعام فإنه لله وحده. فتأملْ هذه النكتة البديعة.

الفائدة الرابعة: أنّ المغضوبَ عليهم في مقام الإعراض عنهم وترك الالتفات إليهم، والإشارة إلى نفس الصفة التي لهم والاقتصار عليها، وأمَّا أهل النعمة فهم في مقام الإشارة إليهم وتعيينهم والإشادة بذكرهم، وإذا ثبت هذا فالألف واللام في (المغضوب) وإنْ كانتا بمعنى (الذين) فليست مثل (الذين) في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات المسمى، فإنّ قولَك (الذين فعلوا) معناه (القوم الذين فعلوا) ، وقولك (الضاربون والمضروبون) ليس فيه ما في قولك (الذين ضَرَبوا أو ضُرِبوا) فتأملْ ذلك.

فـ {الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} إشارةٌ إلى تعريفِهم بأعيانهم، وقصدِ ذواتِهم، بخلاف المغضوب عليهم؛ فالمقصودُ التحذيرُ من صفتهم، والإعراضُ عنهم، وعدمُ الالتفات إليهم، والمُعوَّل عليه من الأجوبة ما تقدم). (2)

(1) الظاهرُ أنَّ ابنَ القيم رحمه الله أراد (أَحَلّ) بفتح الألف، وهو بالبناء على المعلوم، خلافًا لـ (حُرِّمت) وهي بالبناء للمجهول، وهذا هو الأليق بالسياق هنا كما لا يخفى.

قال الطبري رحمه الله في التفسير (8/ 173) : (واختلف القراءُ في قراءة قوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} فقرأ ذلك بعضُهم:(وَأَحَلَّ لَكُمْ) - بفتح الألف من (أَحَلَّ) - بِمَعْنَى: كَتَب الله عليكم وأَحَلّ لكم ما وراء ذلكم، وقرأه آخرون {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} اعتبارًا بقوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ؛ {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} .

قال أبو جعفر: والذي نقول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَةِ الإسلام غير مختلفتي المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت