فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 115

-الجهة الثالثة:

أمّا الحديثُ المذكور (تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيْمٌ) فلا أصل له. (1)

وأمَّا الأحاديثُ الواردةُ في التوسل به صلّى الله عليه وسلّم فتنقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، أمَّا الصحيحُ فلا دليل فيه البتَّةَ على المُدَّعَى، مثل توسل الصحابة به صلّى الله عليه وسلّم في الاستسقاء (2) ، وتوسل الأعمى به صلّى الله عليه وسلّم (3) ؛ فإنه توسل بدعائه صلّى الله عليه وسلّم لا بجاهه ولا بذاته صلّى الله عليه وسلّم، ولمّا كان التوسل بدعائه صلّى الله عليه وسلّم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن كان بالتالي التوسل به صلّى الله عليه وسلّم الآن غير جائز.

ومما يدلُّك على هذا؛ أنّ الصحابةَ رضي الله عنهم لَمَّا استسقوا في زمن عمر توسلوا بعمه العباس (4) ، ولم يتوسلوا به صلّى الله عليه وسلّم، وما ذلك إلّا لأنهم يعلمون معنى التوسل المشروع - وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه صلّى الله عليه وسلّم -، ولذلك توسلوا بعده صلّى الله عليه وسلّم بدعاء عمِّه لأنه ممكن ومشروع.

ولو كان المراد من التوسل هو التوسلَ بالجاه! لكان الأمرُ ممكنًا عندهم لبقاء جاه النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم دومًا - بخلاف الدعاء بعد موته - وبهذا يتبين أنْ مُرادَهُم التوسلُ بالدعاء لا بالجاه.

وعلى كل حال فالكلام على التوسل المشروع وأنواعه؛ وما يخالفه من التوسل المبتدع ليس هذا موضعُه. (5)

(1) قال ابن تيمية والألباني رحمهما الله: (لا أصل له) . اقتضاء الصراط المستقيم، والضعيفة (22) ، وتتمة التعليق مستفادة من الضعيفة (22) .

(2) البخاري (933) ، ومسلم (897) عن أنس رضي الله عنه.

(3) صحيح. الترمذي (3578) ، وأحمد (17241) عن عثمان بن حُنيف مرفوعًا. صحيح الجامع (1279) .

(4) صحيح البخاري (1010) عن أنس رضي الله عنه.

(5) ولمزيد من التوسع راجع كتابي (التوضيح الرشيد في شرح التوحيد) (ص 409 - 433) فإنّ فيه مسائلَ مفيدةً في هذا الباب. والحمد لله على توفيقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت