-الجهة الثانية:
أمّا دعوى أنّ هذا من التوسل! فهذا خطأ كبير.
لأنّ التوسلَ معناه التقرب.
قال في لسان العرب: (الوَسِيْلةُ: المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، وَالوَسِيْلةُ الدَّرَجَةُ، وَالوَسِيْلَةُ القُرْبَةُ، وَوَسَّلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيْلَةً: إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيْهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ يَبْتَغُوْنَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيْلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} (الإسراء:57) ، وَفِي حَدِيْثِ الأَذَانِ (اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيْلَةَ) هيَ فِي الأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِهِ فِي الحَدِيْثِ: القُرْبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَقِيْلَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَقِيْلَ: هِيَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيْثِ). (1)
ومفادُ الآية الكريمة هو اتّخاذ الوسائل المؤدية إلى رضوان الله تعالى، وهذا بخلاف دعاء غير الله تعالى! فإنّ هذا من الأسباب المانعة لرضوان الله تعالى - بل وللإجابة أصلًا -.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله - عند قوله تعالى {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ} : (قال سفيان الثوري: عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس: أي: القربة، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، وقال قتادة: أي: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه، وقرأ ابنُ زيد {أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ يَبْتَغُوْنَ إِلَى رَبّهمُ الوَسِيْلَةَ} (2) ، وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه). (3)
والتوسل إلى الله تعالى حقيقٌ به أنْ يكون محبةً له سبحانه ورغبةً إليه وخوفًا منه وتوكلًا عليه وأخذًا بأسباب كل ذلك، خلافًا لِمَا يزعمون من جَعْلِ دعاءِ غير الله توسلًا؛ فيصرفون المحبة والخشية والإنابة والرجاء إلى غير الله تعالى. والحمد لله على توفيقه.
(1) لسان العرب (724/ 11) .
(2) في تفسير الطبري (10/ 291) : (حدثني يونس؛ قال، أخبرنا ابن وهب؛ قال، قال ابن زيد في قوله {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ} قال: المحبّة، تحبّبوا إلى الله، وقرأ:(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ) (الإسراء:57 ) ) .
(3) تفسير ابن كثير (103/ 3) .
وأمّا قول بعض من افترى على البغوي رحمه الله في التفسير عند قوله (ينظرون أيّهم أقرب إلى الله فيتوسلون به) حيث استدل به على جواز التوسل بالأشخاص! فهو افتراءٌ عليه رحمه الله، وانظر تمام كلام البغوي حيث تجده عنى التوسلَ بالأعمال الصالحة وليس بالأشخاص الصالحين.
قال رحمه الله في التفسير (105/ 5) : (وقوله: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} معناه: ينظرون أيُّهم أقربُ إلى الله فيتوسلون به، وقال الزَّجَّاج: أيّهم أقربُ يبتغي الوسيلةَ إلى الله تعالى، ويتقرب إليه بالعمل الصالح) .