فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 115

ج- أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يجهر بها في الصلاة، كما في حديث أنس (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِـ {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ) (1) ، وهذا يدل على التفريق، فهي إذًا ليست من الفاتحة! (2)

والجواب: أنّ هذا لا يلزم عليه أنْ تكون البسملةُ ليست آية من الفاتحة! فالبسملة سُنَّتُهَا الإسرارُ - كما في لفظٍ لأحمد (فَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ: بِـ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ) (3) -، فهذا الاعتراض غير صريح أيضًا في المطلوب.

قال إمامُ الأئمة ابنُ خزيمة رحمه الله في صحيحه: (بابُ ذِكْرِ الدليل على أنّ أنسًا إنما أراد بقوله:(لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أي: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، وأنهم كانوا يسرون (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في الصلاة، لا كما توهم مَن لم يشتغل بطلب العلم من مظانه؛ وطلب الرئاسةَ قبل تعلم العلم!) ثم ساق الحديث. (4)

ولتمام الفائدة: فإنَّ حديثَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِـ(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بِمَكَّةَ، قَالَ: وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَدْعُونَ مُسَيْلِمَةَ: الرَّحْمَنَ، فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إِلَى إِلَهِ اليَمَامَةِ؛ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْفَاهَا؛ فَمَا جَهَرَ بِهَا حَتَّى مَاتَ) فهو منكر لا يصح، رواه أبو داود في المراسيل عن سعيد بن جبير، وانظر الضعيفة. (5)

وقال الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة - بعد بيان أوجه النَّكَارة: (وهذا غاية في تحقيق نكارة الحديث، فالعجب من شيخ الإسلام ابن تيمية كيف قال في مجموع الفتاوى(22/ 371) : (وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس:(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا إذْ كَانَ بِمَكَّةَ، وَأَنَّهُ لَمَّا هَاجَرَ إلَى المَدِينَةِ تَرَكَ الجَهْرَ بِهَا حَتَّى مَاتَ ) ) !! وأنا على مثل اليقين أنه كتب هذا من حافظته دون أنْ يتسنى له الرجوع إلى إسناده؛ ليرى أنَّ فيه شريكًا القاضي ويحيى بن طلحة اليربوعي، ولو أنه قُيِّض له التوسعُ في البحث وجمع الطرق والألفاظ؛ لتبينت له تلك العلل.

وإنَّ ممَّا يؤكد لك ذلك أنه ذكر باللفظ الملفق من لفظ مرسل أبي داود، ومسند الطبراني، وكلاهما ليس فيهما أنَّ الترك كان لمَّا هاجر إلى المدينة، فجلَّ من لا يضلّ ولا ينسى). (6)

(1) صحيح البخاري (743) .

(2) وقال القرطبي رحمه الله في التفسير (1/ 95) : (ثم إنَّ مذهبَنا(أنَّ البسملةَ ليست من الفاتحة) يترجح ذلك بوجه عظيم - وهو المعقول -؛ وذلك أنَّ مسجد النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنةُ والدهورُ، من لدن رسول الله صلى اله عليه وسلم إلى زمان مالكٍ، ولم يقرأ أحدٌ فيه قطُّ (بسم الله الرحمن الرحيم) اتِّبَاعًا للسُّنَّة، وهذا يَرُدُّ أحاديثَكم.

بيد أنَّ أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل، وعليه تُحمل الآثار الواردة في قراءتها أول على السّعة في ذلك.

قال مالك: ولا بأس أنْ يُقرأ بها في النافلة ومَنْ يعْرِض القرآن عرضًا).

(3) صحيح. مسند أحمد (12845) ، والنسائي (907) ، وابن خزيمة (495) ، وابن حبان (1802) عن أنس. التعليقات الحسان (1799) .

(4) صحيح ابن خزيمة (249/ 1) .

(5) منكر. أبو داود في المراسيل (34) عن سعيد بن جبير. الضعيفة (6430) .

(6) الضعيفة (13/ 961) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت