فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 115

ب- أنّه قد جاء في الحديث القدسي (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ) ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} .... ) (1) ، والشاهد منه أنَّ البسملةَ لم تُعتبرْ من الفاتحة!

والجواب عليه من وجهين:

الوجه الأول: أنّ البسملةَ لمَّا كانت تُفتتح بها السُّورُ عمومًا لم تكن لتُميِّزَ الفاتحةَ عن غيرها بالوصف والمعنى، فلعل ذلك هو سبب عدم ذكرها صراحة في هذا الحديث، وتأملْ أثرَ عليٍّ رضي الله عنه السابق الذكر وفيه (أنه سُئِل عن السبع المثاني، فقال: {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْن} فقيل له: إنما هي ستُّ آيات! فقال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية) . (2)

الوجه الثاني: أنّ هذا التفصيلَ في الحديث سياقُه هو بيانُ قسمة الكلام بين الثناء والدعاء، فهو غير صريح في المطلوب.

قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار: (ومما يخطر على البال بداهةً؛ أنه كما اكتفى من قسمة الصلاة بالفاتحة دون سائر التلاوة والأذكار والأفعال؛ اكتفى من الفاتحة بما لا يشاركُها فيه غيرُها من السور، إذ البسملةُ آيةٌ من كل سورة غير(براءة) على التحقيق الذي يدل عليه خطُ المصحف، وثَمَّ سببٌ آخر لعدم ذكر البسملة في القسمة، وهو أنه ليس فيها إلّا الثناء على الله تعالى بوصفه بالرحمة، وهو معنى مكرر في الفاتحة وذُكِر في القسمة). (3)

علمًا أنَّ الآيةَ الأخيرةَ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} لم تذكر مستقلةً في القسمة السابقة! ممَّا يدل على أنَّ المقصودَ هو قسمةُ الثناء والدعاء لا قسمةُ العدد. والله أعلم.

قلتُ:

ويَرِدُ أيضًا على أصحاب هذا القول أنَّ الفاتحةَ بذلك تصبح ستَّ آيات؛ فلا تكون هي السبع المثاني! إلَّا أنهم أجابوا بكون الآية الأخيرة من السورة إنما هي آيتان. (4)

قال الإمام ابن العربي رحمه الله:(لا خلاف أنَّ الفاتحةَ سبعُ آيات، فإذا عدَدْتَ فيها {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آيةً: اطَّرد العددُ، وإذا أسقطتها تبيّن تفصيلُ العدد فيها.

قلنا: إنما الاختلافُ بين أهل العدد في قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هل هو خاتمة آية أو نصف آية؟ ويركب هذا الخلاف في عَدِّ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ) . (5)

(1) صحيح مسلم (395) عن أبي هريرة مرفوعًا، وقد سبق بتمامه.

(2) الإتقان في علوم القرآن (1/ 269) .

(3) تفسير المنار (1/ 71) .

(4) وقالوا بأنَّ هذا يُناسب سياق الآيات التي قبلَها، فتكون كلُّها متقاربةً في الطول؛ خلافًا لإثباتها آية واحدة - يعني: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} -. انظر لقاء الباب المفتوح (166/ 2) للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

(5) أحكام القرآن لابن العربي (1/ 10) .

(6) صحيح مسلم (812) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت