القضاء على اضطهاد الكنيسة من الكاثوليك، وظهر المذهب البروتستانتي المطالب بالقضاء على السلطان المطلق للملوك، وقد أثّر هذا الوضع كثيرا في إنجلترا التي استطاع فيها البرلمان في سنة 1689 م أن يحد من سلطات الملك، وأرسى قواعد النظام البرلماني الذي سار تدريجيّا نحو الحكم الديمقراطي، كما كان لهذا الوضع أثر كبير في قيام الثورة الأميركيّة سنة 1776 م، وكانت النتيجة إقامة نظام جمهوري يقرّر الحقوق والحرّيات للأفراد والجماعات، وأثّر كذلك الوضع الذي حدث في إنجلترا في قيام الثورة الفرنسيّة التي حكمها نابليون بعد هذا النظام إلا أنّه حوّل الديمقراطيّة إلى دكتاتوريّة، وما إن انتهى حكمه حتى عاد النظام الديمقراطي إلى فرنسا من جديد [1] . (17)
وفي الشرق القديم كان للديمقراطيّة مكانة كبيرة لدى فئتين من الناس أصحاب الفكر من فلاسفة وغيرهم، وأصحاب الطبقة البرجوازيّة الذي حملوا لواءها وطالبوا بتطبيقها، وقد تأتّى ذلك في الصين، وكانت فلسفتهم تقوم على أن سلطة الإمبراطور تمارس بموجب تفويض الشعب، ويفقد الإمبراطور الاستمرار بالسلطة إذا فقد ثقة الشعب ويباح قتله [2] . (18)
وقد تولّد عن النظام الديموقراطي الغربي الذي يستحيل تطبيقه في واقع النظام الإسلامي لأسباب كثيرة منها ما تولّد عنها من أنظمة أثبتت فشلها وبادت كنظام الاشتراكيّة والرأسماليّة وغيرها، وما إن انتهى الصراع بين كلا النظامين السابقين كنظامين انبثقا عن الديمقراطيّة حتى أصبحت السيطرة للديمقراطيّة التي تقوم على النظام الرأسمالي الذي تتزعّمه الولايات المتّحدة الأمريكيّة.
وفي نهاية القرن العشرين، وبداية الألفيّة الثالثة أصبحت مسألتا الديمقراطيّة وحقوق الإنسان تفرضان وكأنّهما المعيار الأصلح، بل والوحيد لقياس مشروعيّة السلطة القائمة في مجتمعات عالمنا الحالي.
ومنذ بداية الثمانينات من القرن الماضي والعالم يمر بتحوّلات على كافّة الأصعدة، وهذه
(1) د. النادي - فؤاد محمد، ود. الشافعي - بكر أحمد، النظم السياسيّة والقانون الدستوري، مكتبة الرسالة الدوليّة للطباعة والكمبيوتر، القاهرة - جمهورية مصر العربيّة، 1998 - 1999 م، ص 246.
(2) د. وليد سعد، الإسلام وقضايا العصر، مرجع سبق ذكره، ص 169.