والسلام دخل مكة وقد طأطأ رأسه حتى إن عثلونه ليمس الرحل تواضعًا لله)، حتى لا يشعر الإنسان بشيء من نشوة الانتصار فيظلم؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من الصلاة والسجود؛ لأن الصلاة تدعو الإنسان إلى شيء من الانكسار والتواضع؛ لأنه في موضع نصر، الثورات فيها خير، لكن لها ثمرات ربما تكون سيئة في بعض الأحوال، وهو أن الإنسان إذا نصره الله عز وجل ربما لنشوة الانتصار يظلم ويبغي؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كسر نفسه لله عز وجل تواضعًا وشكرًا للمنعم، وما غاب عنه أن الله عز وجل امتن عليه بهذا، فغلب الامتنان لله سبحانه وتعالى على مثل هذا الأمر، فما قال صلى الله عليه وسلم للذين كانوا في مكة اخرجوا واحدًا واحدًا، أريد أن أصفي الحسابات، من الذي وضع علي كذا؟ من الذي سبني؟ من الذي قال؟ ومن الذي قال؟ وإنما أراد إصلاح الأمر العام، لم يدافع النبي عليه الصلاة والسلام عن شخصه وذاته، وإنما أراد النظر إلى المستقبل، وإقامة دين الله عز وجل، وإقامة العدل.
ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه وحشي وقد قتل حمزة بن عبد المطلب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وأخوه من الرضاعة، حتى إنه حينما علم النبي عليه الصلاة والسلام بمقتله جاء إليه عليه الصلاة والسلام، فرآه وقد مُثل بجثته تأثر النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: (والله لا أصاب بمصيبة بعدك) . وكان وحشي في الطائف فرجع (وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام لما أسلم جاء إلى النبي ووقف عنده، فقيل له: وحشي، فرفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم بصره، فقال عليه الصلاة والسلام: أأنت الذي قتلت حمزة؟ لشدة ذلك على وحشي قال: هو ما قلت. يعني لا أستطيع أن أقول: أنا قتلت هذا. فالنبي عليه الصلاة والسلام أطرق فقال: إن استطعت ألا تريني وجهك فافعل) ، يعني: لا أريد الانتصار لنفسي فأنت دخلت الإسلام، وأعلنت التوبة والرجوع والانضمام إلى حياض الإسلام؛ ولهذا وحشي انصرف لكي لا يراه النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يذكره بذلك الكرب الذي وقع فيه، حتى لما ظهر مسيلمة الكذاب يقول وحشي: فانتدبت إليه لعلي أكفر بقتله قتل حمزة، فمكنه الله عز وجل من مسيلمة فقتله.
ولهذا نقول: إن تصفية الحسابات الذاتية ينبغي ألا يقوم عليها المصلحون؛ لأنهم لا ينتصرون لذواتهم، فهذا يوسف عليه السلام بقي في السجن بضع سنين، لما خرج خرج في زمن مهلكة وبداية مجاعة، هل أراد تصفية الحسابات أم أراد إصلاح الوضع العام؟ أراد إصلاح الوضع العام، فقال: اجعلني على خزائن الأرض، ما قال: ائتني بزوجتك التي فعلت وفعلت وفعلت، الآن مسألة إغاثة وإنقاذ أمة لا تصفية حسابات ذاتية؛ لهذا نقول: إن المصلحين هم الذين ينتصرون للأمة لا ينتصرون لذواتهم، وإقامة العدل في الأرض هذه رسالة المصلحين، الأمة إنما تبلى بالانتصار للذوات، أريد حقي، ولماذا فلان فعل كذا؟ وفلان فعل كذا؟ ممن دخل في دائرة الحق، إذا آب الإنسان وتاب، وظهر منه إظهار الحق فينبغي للإنسان أن يبعد تلك الأمور، النبي عليه الصلاة والسلام من شدة ما يجد من قتل حمزة ما أراد أن يتذكر ذلك، وألا يذكره أحد؛ لأنه شيء مضى، قال: (إن استطعت ألا تريني وجهك فافعل) ، لأني كلما أراك سأتذكر تلك المصيبة، والنبي عليه