فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 86

العلماء لا بوجود المال؛ لأن الناس إذا كانوا على مال بلا علم اقتتلوا وافتتنوا، وبالعلم فإنهم يأنسون ويتآلفون ولو كانوا على فقر؛ ولهذا يقول عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله كما روى ابن وضاح في كتابه البدع والنهي عنها: لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهابكم ذهاب علمائكم. يعني: الخيرية تكون في الأمة مع وجود العلماء، وتنقص تلك الخيرية بنقصان العلماء؛ ولهذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه) ، والمراد بذلك هو ذهاب العلماء، والبلد التي فيها علماء بمقدار أدائهم لرسالتهم فإن الأمة أمة مرحومة.

قول ربيعة: (لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه) ، وذلك أن صاحب العلم إذا ضيع نفسه بعدم البلاغ، أو بعدم الاستزادة من العلم، أو ابتذال النفس فيما دون العلم فذلك من الهدر؛ لأن الإنسان إذا كان جاهلًا بنفسه فغيره أجهل به من نفسه؛ فلهذا ينبغي للإنسان ألا يأخذه ما يسمى بالورع البارد، وألا يأخذه أيضًا في المقابل الجسارة على العلم إذا كان جاهلًا فيجعل في نفسه من العلم ما ليس فيها، بل يعطيها قدرها من جهة البلاغ ومن جهة الأخذ والاستزادة.

... شرح حديث أنس:(إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ... )

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: [ (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم) ] تقدم معنا في حديث ابن العاص وهو في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) ضلوا بأنفسهم، وأضلوا غيرهم، الله عز وجل هو الذي يرفع العلماء، والجاهل يرفعه الناس؛ ولهذا قال: (اتخذ الناس رءوسًا جهالًا) ، أما العالم يرفعه الله يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] ، لهذا العالم لا يمكن أن يوضع، والجاهل لا يمكن أن يرفع؛ وذلك أنه إذا زال رافعه رجع إلى موضعه الذي هو فيه، أما العالم فالله عز وجل هو الذي رفعه بالعلم، ويضعه الله عز وجل إذا زل عن مكانه الذي هو عليه؛ لهذا كم من الناس يحاولون أن يطفئوا شمس عالم بعينه فيعجزون عن ذلك؛ لأن الله عز وجل هو الذي رفعه، وكم من الناس الجهال يحاولون أن يبرزوا جاهلًا، ويأبى الناس أن يدخل قلوبهم؛ لأن الله عز وجل هو الذي يرفع، وهو الذي يخفض، والقبول منه سبحانه وتعالى.

وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم) ، أي: أن الناس كلما تأخر الزمن في ذلك قبض العلم منهم، وظهر بذلك الجهل، وثمة تلازم بين قبض العلم وظهور الفتن، فأصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت